فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 604

عافية، فلمّا جاء الشكل والزوج ظهرت أنياب الفتنة، وانفتح باب المحنة فحين ساكن حواء أطاعها فيما أشارت عليه بالأكل، فوقع فيما وقع، ولقد قيل: داء قديم في بنى آدم ... صبوة إنسان بإنسان

[فصل] وكلّ ما منع منه ابن آدم توفرت دواعيه إلى الاقتراب منه.

فهذا آدم عليه السّلام أبيحت له الجنة بجملتها ونهى عن شجرة واحدة، فليس في المنقول أنه مدّ يده إلى شاء من جملة ما أبيح، وكان عيل صبره حتى واقع ما نهى عنه- هكذا صفة الخلق (قلت: كما يقال في كلامنا الدارج، الممنوع مرغوب .. هذه جبلة الله في البشر) .

[فصل] وإنما نبّه على عاقبة دخول آدم الجنة من ارتكابه ما يوجب خروجه منها حين قال: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» فإذا أخبر أنه جاعله خليفته في الأرض كيف يمكن بقاؤه في الجنة؟

ويقال: أصبح آدم عليه السّلام محمود الملائكة، مسجود الكافة، على رأسه تاج الوصلة، وعلى وسطه نطاق القربة، وفى جيده رباط الزلفة، لا أحد فوقه في الرتبة، ولا شخص مثله في الرفعة، يتوالى عليه النداء في كل لحظة يا آدم يا آدم. فلم يمس حتى نزع عنه لباسه، وسلب استئناسه، والملائكة يدفعونه بعنف أن اخرج بغير مكث:

وأمنته فأتاح لي من مأمني ... مكرا، كذا من يأمن الأحبابا (قلت: فسبحان من بيده الأمر يهدي ويضل، {كل يومٍ هو في شأن} .. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُول إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلِّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن كقلب وَاحِد يصرفهُ حَيْثُ يَشَاءُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الله مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» . رَوَاهُ مُسلم) ..

ولمّا تاه آدم عليه السّلام في مشيته لم يلبث إلا ساعة حتى خرج بألف ألف عتاب، وكان كما قيل:

لله درّهم من فتيةٍ بكروا ... مثل الملوك وراحوا كالمساكين (روى عن على بن أبي طالب - رضوان الله عليه - موقوفا قوله:"ألا أنبئكم بالفقيه؟ قالوا: بلى، قال: من لا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يؤيسهم من روح الله، ولا يؤمنهم من مكر الله، ولا يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا في علم ليس فيه تفهم، ولا قراءة ليس فيها تدبر") .

[فصل] نهاه عن قرب الشجرة بأمره، وألقاه فيما نهاه عنه بقهره، ولبّس عليه ما أخفاه فيه من سرّه.

قال سبحانه: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (36) }

أزلهما أي حملها على الزّلة، وفى التحقيق: ما صرّفتهما (عن العصمة) إلا القدرة، وما كان تقلبهما إلا في قضاء الله تعالى، أخرجهما عما كانا فيه من الرتبة والدرجة جهرا، ولكن ما ازداد- في حكم الحق سبحانه- شأنهما إلا رفعة وقدرا.

قوله جل ذكره: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت