(اسْمَعْ وَأَطِعْ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ وَإِنْ أَكَلُوا مَالَكَ وَضَرَبُوا ظَهْرَكَ إِلَّا أَنْ يكون معصية) والحديث صحيح كما في (الظلال 1026) ، (الصحيحة 3418) . (إلا أن يكون معصية) فلا طاعة لمخلوقٍ أبدًا في معصية الخالق.
وفيه أيضا بسند صحيح أن أبا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَخَطَبَنَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْجَدْعَاءِ وَتَطَاوَلَ فِي غَرْزِ الرَّحْلِ ـ فَقَالَ:
(أَيُّهَا النَّاسُ) فَقَالَ رَجُلٌ فِي آخِرِ النَّاسِ: مَا تَقُولُ ـ أَوْ مَا تُرِيدُ ـ فَقَالَ:
(أَلَا تَسْمَعُونَ؛ أَطِيعُوا رَبَّكُمْ، وصَلُّوا خمسكم، وأدُّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم تَدْخُلُوا جُنَّةَ رَبِّكُمْ) . (الصحيحة 867) .
وقد روى ابن حبان بعد ذلك تخصيص ذلك بالطاعة في طاعة الله فقط، وقدر الاستطاعة بغير عنت، ويدل الحديث على تحريم الخروج على الحكام وإن ظلموا كما وضح ذلك في الحديث الصريح المروي عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:"خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ"، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ عِنْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ:"لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ، فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا من طاعته". رواه مسلم وغيره. فَإِذَا أَرَادَ الرَّعِيَّةُ أَنْ يَتَخَلَّصُوا مِنْ ظُلْمِ الْأَمِيرِ الظَّالِمِ، فَلْيَتْرُكُوا الظُّلْمَ بينهم وما أكثره. وكما قال على رضى الله عنه: كما أنتم يُوَلَّى عليكم.
ولذلك قال الإمام الطحاوي في عقيدة أهل السنة و (الأئمة الأربعة) :"وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا، وَإِنْ جَارُوا، وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَرِيضَةً، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالْمُعَافَاةِ".
وأما دعوى أن الآية من حجة أولئك المتحذلقين، فلا صحة لذلك إذ أن العهد والإمامة المذكورة في الآية هي الإمامة في الدين. وما أكثر ما يجتر المفسرون الكثير من المباحث الاستطرادية ويحملون الآيات عليها دون النظر إلى وضوح ظاهرها دون تعقيد، وخصوصا في باب الأحكام، ثم ينقل بعضهم عن بعضٍ دون تريثٍ أو تأدبٍ في التعامل مع كلام الله تعالى الذي جاء لهداية البشرية لحقوق العبودية، ولم يأتِ قصاصات يتأوَّلها المتأوِّلون ويتحكمون بما تمليه تفريعاتهم في آيات الله، ثم تخرج الفتاوى والأحكام التي تهلك الحرث والنسل.
ويكفي لذلك مثلا مردودا ما قاله صاحب الظلال عند هذه الآية: