فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 604

وأنقل هنا كلاما خطيرا للزمخشري يؤيد فيه موقف قومه المعتزلة من الخروج على حكام المسلمين بالسيف وإراقة الدماء البريئة وخلق الفتن وهذا الموقف عينه عند الخوارج وإن اختلف في شدته بينهم، ويسمونه عند المعتزلة بأصل"الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر"تلبيسا فتنبه كم جر ويلاتٍ على الأمم، يقول: -

وقالوا: في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة (أقول: يقصد الإمامة الكبرى أي الحكم والخلافة) . وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته، ولا تجب طاعته ولا يقبل خبره، ولا يقدّم للصلاة. وكان أبو حنيفة رحمه اللَّه يفتي سرًا بوجوب نصرة زيد بن علىّ رضوان اللَّه عليهما، وحمل المال إليه، والخروج معه على اللص المتغلب المسمى بالإمام والخليفة، كالدوانيقى وأشباهه. وقالت له امرأة: أشرت على ابني بالخروج مع إبراهيم ومحمد ابني عبد اللَّه بن الحسن حتى قتل. فقال: ليتني مكان ابنك. وكان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عدّ آجره لما فعلت. وعن ابن عيينة: لا يكون الظالم إماما قط. وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة، والإمام إنما هو لكف الظلمة. فإذا نصب من كان ظالما في نفسه فقد جاء المثل السائر: من استرعى الذئب ظلم. انتهى [1]

أقول: وهذا الذي قال الزمخشري وغيره -ضمنيًا -في الخروج على الأئمة بالسيف مردودٌ جملةً وتفصيلا؛ وإن طولوا فيه حتى تطاول الجصاص في أحكامه ونسب الغلط في الفهم لما سماه"أغمار أهل الحديث"، وأهل الحديث أعلام شوامخ وهم أهل الاتباع والنصح للدين، رغم أنف كل حاقد.

فعقيدة أهل الحق أن الخروج على الحاكم المسلم ما دام يقيم الصلاة في المسلمين، ولم يكفر كفر صريحا لا تأويلَ ولا شبهةَ فيه؛ الخروج عليه حرام، وإن كان فاسقا أو جائرا، وإنما تجب مناصحته بالمعروف على من يقدر على ذلك، لما في ذلك الخروج من إشعال الفتن وإراقة الدماء وخصوصا إن كان له عصبيةٌ وشوكةٌ تمنعه، وما حدث الأمس ويحدث اليوم من هلاك الزرع والحرث والنسل إنما سببه التنكر لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الواضحة في هذا الشأن كما ورد في كثرةٍ من الأحاديث الصحيحة لا يمكن أن يتجاهلها مؤمنٌ.

وَمنها ما روى البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجماعة شبرا فمات، فميتته جَاهِلِيَّةٌ"، وَفِي رِوَايَةٍ:"فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ".

وفي صحيح ابن حبان عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(1) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 184)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت