فهرس الكتاب

الصفحة 585 من 604

فَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يُمكَّن حَتَّى يبتلى. فَإِن الله ابْتُلِيَ نوحًا وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى ومحمدا صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَلَمَّا صَبَرُوا مكنهم.

قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَهُمْ أَئِمَّةً يَأْتَمُّ بِهِمْ مَنْ بَعْدَهُمْ لِصَبْرِهِمْ وَيَقِينِهِمْ؛ إذْ بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ تُنَالُ الْإِمَامَةُ فِي الدِّينِ. فَإِنَّ الدَّاعِيَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتِمُّ لَهُ أَمْرُهُ إلَّا بِيَقِينِهِ لِلْحَقِّ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ، وَبَصِيرَتِهِ بِهِ، وَصَبْرِهِ عَلَى تَنْفِيذِ الدَّعْوَةِ إلَى اللَّهِ بِاحْتِمَالِ مَشَاقِّ الدَّعْوَةِ، وَكَفِّ النَّفْسِ عَمَّا يُوهِنُ عَزْمَهُ وَيُضْعِفُ إرَادَتَهُ. فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ كَانَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِأَمْرِهِ تَعَالَى.). [1]

وَقَوْلُهُ تعالى: {قَالَ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ: لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} لما جعل الله إبراهيم إماما سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته فأجيب إلى ذلك وأُخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله ولا يكونون أئمةً فلا يقتدى بهم، والدليل على أنه أجيب إلى طِلبته قوله تعالى في سورة العنكبوت: {وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ} (الْعَنْكَبُوتِ: 27) فكل نبيٍ أرسله الله، وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه.

ووجه الجمع بين الآيتين بقليل تدبرٍ أن الله تعالى أجاب إبراهيم عليه السلام بكرامته عنده أن يجعل النبوة في ذريته، ولكن في الصالحين منهم، ولا ينال عهده الظالمون الزائغون. أَلَا تَرَى أَنَّهُ سبحانه قَالَ: {وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} (الصافات:113) ، وفي هذا تعريضٌ لطيف ببني إسرائيل ونكوصهم عن دعوة الحق التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام. ولعل هذا هو مفتاح الخطاب وليس خلاف المفسرين في المقصود بعهد الله هنا فهو ظاهرٌ في الإمامة في الدين.

قال البغوي: ومعنى الآية لا ينال ما عهدت إليك من النبوة والإمامة من كان ظالما من ولدك. وقيل: أراد بالعهد الأمان من النار وبالظالم المشرك كقوله تعالى:"الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن" (82 - الأنعام) . [2]

(1) انظر العلامة ابن القيم في الفوائد (ص: 208) وإعلام الموقعين عن رب العالمين (4/ 103) .

(2) تفسير البغوي - طيبة (1/ 146)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت