فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 604

«وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) » .. (قال ابن مسعود: الفسادُ في الأرض هو الكفرُ، والعملُ بالمعصية، فمن عصى الله فقد أفسد في الأرض) .. هكذا ينافق المنافق حتى مع نفسه، فيرى أنه على طريق الحق، على حين أنه غارق في الضلال .. فلقد غلبت عليهم شقوتهم، ونظروا إلى أنفسهم في مرايا النفاق، فرأوا أنهم أحسن الناس حالا، وأكملهم كمالا!! .. (قال البيضاوي: تصوُّروا الفساد بصورة الصلاح، لما في قلوبهم من المرض فكانوا كمن قال الله فيهم {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا} [فاطر: 8] ولذلك ردَّ الله عليهم أبلغ ردٍّ .. ) .

«أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) » .. إنهم هم المنافقون! لقد فضح اللّه باطنهم الخبيث، وما انطوى عليه من سوء، فدمغهم بهذا الحكم القاطع المؤكد أوثق التوكيد «بجملة أدوات» : ألا (الاستفتاحية) وإنّ (المؤكدة) وهم (ضمير الفصل) وال (المعرّفة للخبر بما يدل على قصر الفساد عليهم وحدهم في"المفسدون") أي أَلاَ فانتبهوا أيها الناس، إِنهم هم المفسدون حقًا لا غيرهم، ولكنْ لا يفطنون ولا يحُسون، لانطماسِ نور الإِيمان في قلوبهم.

«وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) » ... (الهمزة في {أنؤمن} للإِنكار مع السخرية والاستهزاء؛ أي قالوا أنؤمن كإِيمان هؤلاء الجهلة ناقصي العقل والتفكير؟! قال البيضاوي: وإِنما سفَّهوهم لاعتقادهم فسادَ رأيهم، أو لتحقير شأنهم، فإِن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ومنهم موالي كصهيب وبلال ا. ه.) .. وفي إسناد مقول القول «آمنوا» إلى المبنى للمجهول"قيل"، ما يشعر بأن ضلالهم ـ قد أصبح من الانكشاف والوضوح بحيث أنطق كل موجود في محيطهم، بدعوتهم إلى الاستقامة، والانتظام في موكب «الناس» ، الذين صانوا إنسانيتهم عن هذا الانحراف السفيه، الذي يعيش فيه المنافقون. ولهذا جاء قول اللّه تعالى: «كَما آمَنَ النَّاسُ» ولم يجئ ء: «كما آمن المؤمنون» وفيه ما يدل على أن الإيمان أقرب شئ إلى الفطرة التي فطر الناس عليها، وأن من شأن الناس أن يستجيبوا لدعوة الإيمان، وأن من استجاب للرسول ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ هم الناس، ولا اعتبار لغيرهم ... وجاءت فاصلة الآية هنا: «لا يعلمون» على حين أنها جاءت في الآية السابقة عليها: «لا يشعرون» وذلك لاختلاف المقام هنا وهناك .. «هُمُ الْمُفْسِدُونَ .. وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ» «هُمُ السُّفَهاءُ .. وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ» فالإفساد في الأرض ـ مع أنه مما يجابه الحواس، ويقع في محيط إحساسها ـ لا يشعر به أولئك المنافقون، لكثرة ما ألحقوا على هذه الحواس من خداع وتضليل، ولكثرة ما تعالوا معها بالتعمية والتمويه فلذلك جاء التعبير: «أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ» ... والسّفه ـ مع أنه انحراف حاد عن طريق الحق والخير ـ لا يقع في علم هؤلاء السفهاء، ولا يرون فيه ما يرى الراشدون من الناس من حماقة ومنقصة! وهنا يلائمه التعبير: «أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ» . «وَ إِذا لَقُوا الَّذِين َ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت