فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 604

اللّه سبحانه المنافقين بما لم يتوعد به الكافرين، من عذاب ونكال، حيث يقول سبحانه: «إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَ لَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا» (145: النساء) .

(إنهم يدّعون الإيمان بالله واليوم الآخر. وهم في الحقيقة ليسوا بمؤمنين. إنما هم منافقون لا يجرؤون على الإنكار والتصريح بحقيقة شعورهم في مواجهة المؤمنين.

وهم يظنون في أنفسهم الذكاء والدهاء والقدرة على خداع هؤلاء البسطاء ولكن القرآن يصف حقيقة فعلتهم، فهم لا يخادعون المؤمنين، إنما يخادعون الله كذلك أو يحاولون: «يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا» ..

وفي هذا النص وأمثاله نقف أمام حقيقة كبيرة، وأمام تفضل من الله كريم .. تلك الحقيقة هي التي يؤكدها القرآن دائمًا ويقررها، وهي حقيقة الصلة بين الله والمؤمنين. إنه يجعل صفهم صفه، وأمرهم أمره. وشأنهم شأنه، ويجعل عدوهم عدوه، وما يوجه إليهم من مكر موجهًا إليه- سبحانه- وهذا هو التفضل العلوي الكريم .. وهو في ذات الوقت تهديد رعيب للذين يحاولون خداع المؤمنين والمكر بهم، وإيصال الأذى إليهم. تهديد لهم بأن معركتهم ليست مع المؤمنين وحدهم إنما هي مع الله القوي الجبار القهار ..

«وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ، وَما يَشْعُرُونَ» .. إنهم من الغفلة بحيث لا يخدعون إلا أنفسهم في غير شعور! إن الله بخداعهم عليم والمؤمنون في كنف الله فهو حافظهم من هذا الخداع اللئيم. أما أولئك الأغفال فهم يخدعون أنفسهم ويغشونها. يخدعونها حين يظنون أنهم أربحوها وأكسبوها بهذا النفاق، وهم في الوقت ذاته يوردونها موارد التهلكة .. وينتهون بها إلى شر مصير! ا. ه.). [1]

«فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» . آفة الكافرين في كفرهم موزعة بين أجهزة ثلاثة في كيانهم، هى القلب، والسمع، والبصر .. فقلوبهم مغلقة عن الخير، وأسماعهم نابية عن الحق، وأبصارهم كليلة عن الهدى ... أما المنافقون فإن آفة نفاقهم في القلوب وحدها، حيث قد سمعوا الحق ووعوه، وأبصروا الهدى واستيقنوه، ولكن حين ينفذ هذا كله إلى موطن الإيمان من قلوبهم، يصادف قلوبا مريضة، لا تقبل الحق والخير، وإن قبلتهما فإنها سرعان ما تلفظهما، كما يلفظ المحموم طيب الطعام ... «فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا» يمكن أن تكون الفاء هنا للسببية، ويكون المعنى أن ما أرسل اللّه من هدى على يد النبىّ قد استقبلوه بتلك القلوب المريضة فهيّج علّتها، وأيقظ نائم دائها .. كما يمكن أن تكون «الفاء» للتفريغ، وتكون الجملة بعدها دعائية، والمعنى أن هؤلاء المنافقين ـ بما استبطنوا من نفاق لا يرجى شفاؤه ـ استحقوا أن يُدعى عليهم بما يزيد مرض قلوبهم مرضا ..

(1) في ظلال القرآن (1/ 42 - 3)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت