وعبر عن الحال قبل الوجود بالموت بجامع ما يشتركان فيه من عدم الإحساس، كما قال في الأصنام: {أموات غير أحياء} (النحل: 21) ، وقال؟ {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون} (يس: 33) .
{ثم إليه ترجعون} : إِلَى الله مصيركم .. يريد بعد الحياة الثانية وهو البعث الآخر ... تُرَدُّونَ في الآخرة فيجزيكم بِأَعْمَالِكُمْ ..
قلتُ: وفي هذه الآية أسلوب آخر من أساليب تقرير مهمات العقيدة في القرآن العظيم .. ففي هاتين الآيتين استدل على فساد الشرك وحقيقة التوحيد بالفطرة والمسلمات التي لا يجادل فيها عاقل ثم انتقل منها إلى إثبات عقيدة التوحيد وفيها إثبات البعث والجزاء .. قال ابن جزي: هذه الآية في معرض الردّ على الكفار، وإقامة البرهان على بطلان قولهم، فإن قيل: إنما يصح الاحتجاج عليهم بما يعترفون به، فكيف يحتج عليهم بالبعث وهم منكرون له؟
فالجواب أنه ألزموا من ثبوت ما اعترفوا به من الحياة والموت ثبوت البعث، لأن القدرة صالحة لذلك كله. [1] .. قال ابن القيم: فهذا استدلال قاطع على أن الإيمان بالله أمر مستقر في الفطر والعقول وأنه لا عذر لأحد في الكفر به البتة، فذكر تعالى أربعة أمور، ثلاثة منها مشهودة في هذا العالم، والرابع منتظر موعود به وعد الحق:
الأول: كونهم كانوا أمواتًا لا أرواح فيهم بل نطفًا وعلقًا ومضغة مواتًا لا حياة فيها.
الثاني: أنه تعالى أحياهم بعد هذه الإماتة.
الثالث: أنه تعالى يميتهم بعد هذه الحياة.
الرابع: أنه يحييهم بعد هذه الإماتة فيرجعون إليه، فما بال العاقل يشهد الثلاثة الأطوار الأول، ويكذب بالرابع، وهل الرابع إلا طور من أطوار التخليق ... قلت: فجاء البرهان مترابطا تأخذ كل حقيقة فيه بعنق الأخرى وتزرعها نبتًا قويا في الوجدان والشعور [2] ..
(1) تفسير ابن جزي = التسهيل لعلوم التنزيل (1/ 78)
(2) ومن براعة الأداء البلاغي في هذه الآية الكريمة:
عَبَّرت الآية الكريمة بحرف العطف"ثم"لوجود مدة زمنية, ففي قوله تعالى:"ثُم يُمِيْتَكم"لتخلل مدة العمر بين نفخ الروح والإماتة .. وفي قوله تعالى:"ثُم يُحِيَكم"لتخلل مدة البرزخ, وفي قوله تعالى:"ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ"لتخلل مدة الحشر والحساب, لأن حرف العطف"ثم"يفيد التراخي ووجود مدة زمنية بين المعطوفات , بينما عبَّرت الآية بحرف العطف"الفاء"في قوله:"فأحياكم"لأنها تفيد التعقيب, فالموت الأول في الآية هو العدم, الذي يسبق الحياة, والحياة الأولى هي الخلق, والمراد بالموت الثاني في الآية هو الموت المعهود, وهو خروج الروح من الجسد, والمراد بالحياة الثانية هي الحياة للبعث, فجاء حرفا العطف"الفاء وثمَّ"متناسبين مع المقام في أداء بلاغي رائع لحروف الربط في الآية ..