فهؤلاء المنافقون مثلٌ، وذاك الذي استوقد نارا مثلٌ .. وبين المثلين تشابه وتطابق، فصَحَّ أن يكون كل منهما طرفا في تشبيهٍ واحد، وكاف التشبيه أداته .. فكأنه قيل: هذا المثل كهذا المثل!
وننظر فيما بين المثلين من وجه شبه، فنرى في المشبه، وهم المنافقون .. كانوا في زمرة الكافرين، ثم إنهم أعلنوا إيمانهم، واتخذوا هذا الإيمان وقايةً يتقون بها قوة المؤمنين، وذريعةً يتوصلون بها إلى ما قد يفى ء اللّه على المؤمنين من خير! .. فكان أن فضح اللّه نفاقهم، وجاءت آياته تنزع عنهم هذا الثوب الذي ستروا به هذا النفاق، فأصبحوا عراةً لا يستطيعون أن يظهروا في الناس، إلا كما تظهر الحيات برءوسها من وراء جحورها!
وفى المشبه به، وهو هذا الذي استوقد نارا .. هذا الإنسان، كان في ظلمة الليل، وفى لفح زمهريره القارس، فاستوقد نارا، كى يجد فيها الدف ء والنور! ثم جاء هؤلاء المنافقون فيمن جاء إلى هذا الضوء، ليجدوا عنده الأمن، والدف ء .. ولكنّ هؤلاء المنافقين، وإن اختلطوا بالمجتمعين على هذا الضوء، فإن اللّه سبحانه حجز عنهم النور، وأخذ على أبصارهم، فلم يروا ما حولهم، ولم يعرفوا وجه الطريق الذي يسلكون، فركبتهم الحيرة، وقيدهم العمى والضلال .. ! و نقرأ الآية الكريمة: «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا، فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ، وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ» ، فنجد لمحة من لمحات الإعجاز القرآني، في هذا التخالف بين أجزاء الصورة في المشبه به، حيث كان الظاهر أن يقال: «ذهب اللّه بنوره وتركه في ظلمات لا يبصر» . ولكن هذا يفسد المعنى، حيث يقضى بهذا الحكم على موقد النار، فيذهب بنوره الذي رفعه لهداية الناس، وحيث يقع هذا الحكم على غير المنافقين، من طالبي الهدى عنده. و الصورة التي رسمتها الآية الكريمة ـ على ما جاءت عليه ـ تأخذ المنافقين وحدهم بجرمهم، فتحرمهم الإفادة من هذا النور الذي يملأ الوجود من حولهم .. ثم لا تحرم المهتدين ما أفادوا من هدى.) ا. ه.
قلت: جرى كلام الشيخ على قول أن المستوقد للنار هو الرسول الذي أتى بنار الإسلام ونوره [1] ؛ تحرق الكافرين وتنير للمؤمنين، فلما نكص المنافقين على عقبهم، وكفروا بقلوبهم ذهب الله
(1) والاستدراك على الشيخ المفسر يكمن في أن سياق الآية لا يجيز أن يكون المستوقد للنار هو الرسول .. وذلك لأن إبهام ذكره وهو المعنىُّ الأول بالخطاب القرآني فيه ما فيه، وكذا الآية تقول"أضاءت ما حوله"والإسلام أضاء قلب الرسول قبل كل شئ وليس ما حوله فقط .. ومن ثم فرأى جمهور المفسرين أصوب. ولعله يشهد له- وإن كان بعيد الإشارة - ما في (مسند الإمام أحمد) من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار، يقعن فيها. وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها. قال: فذلكم مثلي ومثلكم. أنا آخذ بحجزكم عن النار: هلمّ عن النار! فتغلبوني فتتقحّمون فيها) ... وأخرجاه في (الصحيحين) أيضا.