بنورهم، وأبقى النار لهم، وتركهم في ظلمات الدنيا و الآخرة؛ لا يبصرون .. صم عن سماع الحق وعقله، بكم عن النطق به، عمى عن رؤية نوره؛ فقدوا أثر الحواس المعنوى في العلم والعمل والنجاة؛ ولم يفقدوا الحواس حقيقةً، فهم كالأنعام بل هم أشد ضلالا، وهذه من قبيل الاستعارة الرائعة (حيث شبههم بالصم والبكم والعمى فاقدي الحواس حقيقةً؛ وذلك لعدم انتفاعهم بحواسهم في إدراك الحق) .
لطيفة لغوية: قلتُ: ولعله تخلص طريف للدكتور الخطيب مما استشكله العلماء في الالتفات الكائن في تحول اسم الصلة"الذي"في قوله تعالى"كمثل الذي استوقد نارا .."من الحكاية عن الفرد"استوقد نارا"إلى الجمع"ذهب الله بنورهم .."، وللقرطبي وغيره رأى آخر، أن"الذي"عند العرب تقال للواحد والجمع [1] ، وهو أفصح في كلامهم واستشهدوا بقول الشاعر: (وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد) فهنا (الذي) بمعنى (الذين) ، ومثله قوله تعالى:"وخضتم كالذي خاضوا"، وقوله"والذي جاء بالصدق وصدق به"...
(1) ويقول الطبري في جامع البيان ت شاكر (1/ 318 - 321) :
(في الموضع الذي مثَّل ربُّنا جل ثناؤه جماعةً من المنافقين، بالواحد الذي جعله لأفعالهم مثلا فجائز حسنٌ، وفي نظائره(جائز حسن أيضًا) كما قال جل ثناؤه في نظير ذلك: (تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) [سورة الأحزاب: 19] ، يعني كَدَوَرَان عيْنِ الذي يُغشى عليه من الموت - وكقوله: (مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [سورة لقمان: 28] بمعنى: إلا كبَعْث نفسٍ واحدة.
وإنما جاز، لأن المرادَ من"مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا .. الآية"الخبرُ عن مَثَل استضاءتهم ... والاستضاءَةُ - وإن اختلفت أشخاص أهلها - معنًى واحد، لا معانٍ مختلفة. فالمثل لها في جمع المنافقين في معنى المثَل للشخص الواحد.
وتأويل ذلك: مَثلُ استضاءة المنافقين بما أظهروه من الإقرار بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به قولا باللسان؛ وهُم به مكذبون بقلوبهم اعتقادًا، كمثَل استضاءة المُوقِد نارًا. ثم أضيف المثَلُ إليهم ...
قلتُ: (ربما يقصد الشيخ أن المراد الأصلي هو مثل الإستضاءة وفقد النور بعد ذلك؛ وليس أعيان المستضيئين، فحسن بذلك الاشارة إلى فعلهم بفعل أيًا منهم وكل مشترك معه في صفته ثم رد المصير إلى كل من يفعل فعلهم .. وأراه تعميما في غاية الموعظة والبلاغة، ولو أنه قصد أعيان الأشخاص لوجب الاتساق بين المشبه والمشبه به جمعا وإفرادًا) ا. ه. بتصرف وحذف.