يعني أولئك الذين أخبر الله عنهم أنهم يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض، بفعلهم ما حرم الله عليهم، ونقضهم لعهد الله وميثاقه في التوراة إليهم. هؤلاء اشتروا رياسة الحياة الدنيا على الضعفاء وأهل الجهل والغباء من أهل ملتهم، في مقابل الإيمان ... عن قتادة: أى استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة. أولئك لا يُخفَّف عنهم العذاب ولا ينصرهم في الآخرة أحد، لا بقوته ولا بشفاعته ولا غيرهما.
واشتروا: من الشراء. والشراء هنا مستعار. والمعنى استحبوا الدنيا على الآخرة، كما قال: {فاستحبوا العمى على الهدى} (فصلت: 17) فعبر عنه بالشراء، لأن الشراء إنما يكون فيما يحبه مشتريه. ومعناه استبدلوا واختاروا. وإنما أخرجه بلفظ الشراء توسعا، لأن الشراء والتجارة راجعان إلى الاستبدال، والعرب تستعمل ذلك في كل من استبدل شيئا بشيء. قال أبو ذؤيب:
فإن تزعميني كنت أجهل فيكم ... فإني اشتريت الحلم بعدك بالجهل.
كما في ديوان أبي ذؤيب؛ يقول: إن كنت تزعمين أنى كنت أجهل في هواى لكم وصبوتي إليكم فقد شريت بذلك الجهل والصبوة حلما وعقلا، ورجعت عما كنت عليه.
فالشراء في هذه الآية مجاز عن اختيارهم واستحبابهم الدنيا الخسيسة على الآخرة، واستبدالهم ما يزول وينغص من خسيس الدنيا بما يخلد ويدوم من نعيم الآخرة. فكأنهم باعوا الإيمان والنعيم بثمنٍ بخسٍ وكانوا فيه من الزاهدين، واشتروا الكفر والعذاب لبئس ما يشترون. وبئس ما باعوا به أنفسهم بدنيا رخيصةٍ.
انشد القشيري في اللطائف: أناس أعرضوا عنّا ... بلا جُرمٍ ولا معنى.
فإن كانوا قد استغنوا ... فإنّا عنهم أغنى.