فهرس الكتاب
مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ، وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ، وَالله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (الآيات 133 حتى 136) ، وفي الانتقال من الحديث عن الجهاد إلى تفصيل واجبات العبودية أكبر دلالة على أن أول الجهاد جهاد النفوس وقهرها على طاعة الله، فإذا انقادت فالنصر من الله كما وعد سبحانه.
وإنْ ظل للسيف موضعه كما قال المتنبي:
وَوَضْعُ النّدى في موْضعِ السّيفِ بالعلى مضرٌّ كوضْع السيفِ في موضع النّدى] انتهى.
قال الشيخ محمد عبده:
وقد تقدم أن إقامة الصلاة ليست عبارة عن أدائها مطلقا، وإنما هي عبارة عن القيام بحقوقها الروحية في صورتها العملية، وذلك بالتوجه إلى الله - تعالى - ومناجاته والانقطاع إليه عما عداه، وإشعار القلب عظمته وكبرياءه، فبهذا الشعور ينمو الإيمان، وتقوى الثقة بالله، وتتنزه النفس أن تأتي الفواحش والمنكرات، وتستنير البصيرة فتكون أقوى نفاذا في الحق، وأشد بعدا عن الأهواء، فنفوس المصلين جديرة بالنصر لما تعطيها الصلاة من القوة المعنوية، ومن الثقة بقدرة الله - تعالى -، فإذا كان قوله - تعالى - بعد الوعد بالنصر: {إن الله على كل شيء قدير} دليلا أيَّد به الوعد، فقوله: {وأقيموا الصلاة} هداية إلى طريق الاقتناع التام بهذا الدليل - وهو الصلاة والزكاة- حتى يكون وجدانا للنفس لا تزلزله الشبهات، ولا تؤثر فيه المشاغبات والمجادلات.
وقد مضت سنة القرآن بقَرْن الزكاة بالصلاة؛ لأن الصلاة لإصلاح نفوس الأفراد، والزكاة لإصلاح شئون الاجتماع، ثم إن فيها من معنى العبادة ما في الصلاة، فإن المال -كما يقولون -شقيق الروح، فمن جاد به ابتغاء مرضاة الله -تعالى -كان بذله مزيدا في إيمانه، فهي إصلاح روحي أيضا.
وبعد أن أمر بالصلاة والزكاة في سياق كشف شبهة من يشتبه من ضعفاء الإيمان في نصر الله المؤمنين، وجعل السلطان لهم على الكافرين، وبيان أن إقامة هذين الركنين من وسائل النصر والسلطان في الدنيا، بيَّن لهم أنها من أسباب السعادة في الآخرة، فقال سبحانه: {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله} .
وقوله -تعالى: (تجدوه) هو كقوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} وقالوا: إن المراد أنه يرى ويجد جزاءه، ولكن لما كان الجزاء مبنيا على أثر العمل في نفس العامل وارتقائها به كان الجزاء بمثابة العمل نفسه، ووصل الوعد بالجزاء على العمل بما يبعث المؤمن على الإحسان فيه، ويدل على تحققه، فقال سبحانه: {إن الله بما تعملون بصير} فلا يخفى عليه منه شيء فتخافوا أن ينقصكم من أجوركم شيئا. انتهى. [1]
(1) تفسير المنار (1/ 346) بتصرف وتعليق.