أقول: وإن التساهل الذي حدث في إطلاق دعوى النسخ ينم عن سطحية في تناول قضايا الإسلام، حتى قَالَ أبو عبيدة-كما ذكر القرطبي عنه: كُلُّ آيَةٍ فِيهَا تَرْكٌ لِلْقِتَالِ فَهِيَ مَكِّيَّةٌ مَنْسُوخَةٌ بِالْقِتَالِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَحُكْمُهُ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ مُعَانَدَاتِ الْيَهُودِ إِنَّمَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ. انتهى
قلتُ: وربما كان السلف لهم عذرهم في أنهم أطلقوا النسخ على أمور كثيرة منها التخصيص والتوقيت والبيان وغيره، ولم يكن يوازي عندهم رفع العمل بحكمٍ رفعا نهائيا لتعارضه مع الناسخ، كما هو في اصطلاح المحدثين. وإنما ننفي في هذه الآية وقوع النسخ بمعنى تعارض الآيتين، فليس تعارض ضرورةٌ واقعةٌ فرضها التعامل مع موقفٍ مؤقت في التاريخ بعينه؛ ليست تعارض أبدًا مبدأً دعويا أخلاقيا ثابتا في الإسلام من العفو والصفح حين جهل الجاهلين. وتأمل قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث:"إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، ولكن بعثت معلمًا ميسّرًا" (رواه مسلم وغيره) .
فالعفو عن الجاهل حتى يُعلَّم والصفح عن السفيه المبغض هو من صفات وأخلاق الإيمان والدعوة المحمدية الثابتة، أما تقلب الأمور في علاقة المؤمنين بغيرهم بين سلامٍ وحربٍ، أو بين هدنةٍ وصلحٍ، وبين تعايشٍ وبغضٍ حسب مقتضيات الظروف والوقائع فهو من باب التوسعة التي مَنَّ الله تعالى بها على عباده المؤمنين في دولة الإسلام يقدرونها بحكمتهم حسب ظروفهم ووفق الضوابط الأخلاقية العليا في دعوة الإسلام. وليس في ذلك أبدا باب ناسخٍ ومنسوخٍ فتدبره تجده حقا إن شاء الله.
وتأمل ما رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ وَأُسَامَةُ وَرَاءَهُ، يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ ابن الْخَزْرَجِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَسَارَا حَتَّى مَرَّا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ- فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ، وَفِي الْمُسْلِمِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ ابْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ وقال: لا تغيروا عَلَيْنَا!
فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَيُّهَا الْمَرْءُ، لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ إِنْ كَانَ حَقًّا! فَلَا تُؤْذِنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا، ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاغْشَنَا فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ. فَاسْتَتَبَّ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَنُوا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَابَّتَهُ فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ-يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ-قَالَ كَذَا وَكَذَا.