فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 604

ميزاتٍ لا توجد في غيرهم .. جاءت هنا الآيات لتضع كل مخلوقٍ من مخلوقات الله العاقلة في مكانه ووظيفته .. والحقيقة أن اختبار الملائكة بما أودع الله تعالى في آدم وذريته من ملكات وخصائص لا توجد في الملائكة الكرام؛ وهى ملكات وخصائص ضرورية لمسيرة حياة الإنسان على الأرض ..

هذا الاختبار هو توضيح لحقيقة عقائدية هامة: أن الله تعالى يخلق ويهيئ في خلقه من الخصائص والملكات ما يساعد ما خلقه على إتمام مهمته في الوجود .. فالعبث لا وجود له في قاموس العقيدة الإسلامية .. لأن الله يقول: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) } (المؤمنون: 115، 116) ..

ولذلك يقترن الخلق مع الهداية في القرآن: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) } (الأعلى: 1 - 4) .. والهداية المقترنة بالخلق ههنا هى هداية كل المخلوقات صغرت أو كبرت لوظائفها ومهامها في الحياة والوجود ..

وهكذا كل عضو وكل آلة في جسم الإنسان والحيوان والنبات؛ بل والجماد .. وكل وظيفةٍ في ذلك؛ كلها هداها الله تعالى لمهمتها في الحياة .. وهذا في ذاته دليلٌ عظيم من أدلة وحدانية الله لا يدركه إلا المتأملون في خلق الله المتدبرون لمعاني كلامه ...

يقول الرازي:

وقوله تعالى: {قَدَّرَ} يَتَنَاوَلُ الْمَخْلُوقَاتِ فِي ذَوَاتِهَا وَصِفَاتِهَا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حَسَبِهِ .. فالله سبحانه قدر السموات وَالْكَوَاكِبَ وَالْعَنَاصِرَ وَالْمَعَادِنَ وَالنَّبَاتَ وَالْحَيَوَانَ وَالْإِنْسَانَ بِمِقْدَارٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الخلق لا يصلح لها إلا ما قدَّره الله تعالى، وَقَدَّرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِنَ الْبَقَاءِ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَمِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَلْوَانِ وَالطَّعُومِ وَالرَّوَائِحِ وَالْأَوْضَاعِ وَالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَالْهِدَايَةِ وَالضَّلَالَةِ مِقْدَارًا مَعْلُومًا مثلمَا قَالَ تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ، وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} (الْحِجْرِ: 21) .. وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِمَّا لَا يَفِي بِشَرْحِهِ الْمُجَلَّدَاتُ، بَلِ الْعَالَمُ كُلُّهُ مِنْ أَعْلَى عِلِّيِّينَ إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ، تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ. وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ.

أَمَّا قَوْلُهُ تعالى: {فَهَدى} عِبَارَةٌ عَنْ خَلْقِ الْقُوَى فِيما خلق سبحانه بِحَيْثُ تَكُونُ كُلُّ قُوَّةٍ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ، وَيَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِهَا تَمَامُ الْمَصْلَحَةِ ومهمة الخلق، وَقَالَ آخَرُونَ: هَدَاهُ لِلْمَعِيشَةِ وَرَعَاهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: هَدَى الْإِنْسَانَ لِسُبُلِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ حَسَّاسًا مدركًا مُتَمَكِّنًا مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى مَا يَسُرُّهُ وَالْإِحْجَامِ عَمَّا يَسُوءُهُ؛ كَمَا قَالَ تعالى: {إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (الْإِنْسَانِ: 3) ، وَقَالَ: {وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها} (الشَّمْسِ: 7، 8) ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَدَّرَ فَهَدَى وَأَضَلَّ، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الهداية عن الإضلال وكلاهما من الله .. وَقَالَ آخَرُونَ: هَدَى أَيْ دَلَّهُمْ بِأَفْعَالِهِ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَجَلَالِ كِبْرِيَائِهِ، وَنُعُوتِ صَمَدِيَّتِهِ، وَفَرْدَانِيَّتِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَاقِلَ يَرَى فِي العالم أفعال مُحْكَمَةً مُتْقَنَةً مُنْتَسِقَةً مُنْتَظِمَةً، فَهِيَ لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت