وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ مَا كتمه إِبْلِيس فيهم حِين خلق آدم؛ فَإِنَّهُ قد قَالَ: إِن سلطت عَلَيْهِ لأهلكنه وَإِن سلط عَليّ لَا أطيعه.) ا. ه. [1]
قال البيضاوي رحمه الله:"قالُوا سُبْحانَكَ لاَ عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا"هو اعتراف منهم بالعجز والقصور، وإشعار بأن سؤالهم كان استفسارًا ولم يكن اعتراضًا، وأنه قد بان لهم ما خفي عليهم من فضل الإنسان والحكمة في خلقه، وإظهار لشكر نعمته بما عرفهم وكشف لهم ما اشتبه عليهم، ومراعاة للأدب بتفويض العلم كله إليه .. {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيم} الذي لا يخفى عليه خافية. {الْحَكِيم} المحكم لمبدعاته الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة. ا. ه
«وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ، فَقالَ: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. قالُوا: سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا. إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قالَ: يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ. فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ، قالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ» ..
يقول سيد قطب في الظلال: ها نحن أولاء نشهد ما شهده الملائكة في الملأ الأعلى .. ها نحن أولاء نشهد طرفًا من ذلك السر الإلهي العظيم الذي أودعه الله هذا الكائن البشري، وهو يسلمه مقاليد الخلافة في الأرض .. سر القدرة على تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها- وهي ألفاظ منطوقة- رموزًا لتلك الأشخاص والأشياء المحسوسة. وهي قدرة ذات قيمة كبرى في حياة الإنسان على الأرض. ندرك قيمتها حين نتصور الصعوبة الكبرى، لو لم يوهب الإنسان هذه القدرة، والمشقة في التفاهم والتعامل، حين يحتاج كل فرد لكي يتفاهم مع الآخرين على شيء أن يستحضر هذا الشيء بذاته أمامهم ليتفاهموا بشأنه ... إنها مشقة هائلة لا تتصور معها حياة! وإن الحياة ما كانت لتمضي في طريقها لو لم يودع الله هذا الكائن القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات. ا. ه. [2]
أقول: هكذا يأتي بعض بيان العبرة والحكمة من خلق هذا المخلوق الضعيف ليكون خليفة الله في أرضه لعمارتها وتوحيد ربه سبحانه .. هذا البيان يأتي في خضم تعليم لبني الإنسان أن يسلموا لله تعالى حكمته وعلمه .. بيانٌ يأتي في صورة اختبار للملائكة يردهم إلى مكانهم وموقعهم بين المخلوقات، فإن كان كلامهم الذي قالوه استعلامًا عن حكمة الله تعالى في خلق مَن يفسد ويسفك الدماء مع وجودهم وهم أهل الطاعة والتسبيح .. إن كان كلامهم هذا يشعر بأنهم ربما رأوا في منة الله بخلقهم
(1) تفسير السمعاني (1/ 65) دار الوطن، الرياض - السعودية، ط. الأولى 1997 م.
(2) في ظلال القرآن (1/ 56)