قلتُ: وهذا درس هام نتعلمه من هذه المحاورة الربانية الشريفة .. فإن التسليم لله تعالى عند المسلم نابعٌ من معرفته بالله سبحانه، وأنه العليم الخبير القدير الحكيم {عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3) } [سبأ: 3] ، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) } [آل عمران: 5، 6] .. وكل فعله حكمةٌ ورحمةٌ يدور بين العدل والفضل .. وبهذا الدرس الراقي يخرج المؤمن المتدبر لآيات الله منشرح القلب واثق اليقين.
(قَوْله تَعَالَى: {وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا} أما آدم إِنَّمَا سمى آدم؛ لِأَنَّهُ خلق من أَدِيم الأَرْض، وَلما خلقه الله تَعَالَى علمه أَسمَاء الْأَشْيَاء بأجمعها.
قَالَ ابْن عَبَّاس: علمه أَسمَاء الْأَشْيَاء حَتَّى الْقَصعَة والقصيعة.
وَإِنَّمَا علمه ذَلِك تكريما وتشريفا لَهُ. وَذَلِكَ دَلِيل على أَن الْأَنْبِيَاء أفضل من الْمَلَائِكَة وَإِن كَانُوا رسلًا كَمَا ذهب إِلَيْهِ أهل السّنة (والراجح أنها ليست أفضلية بإطلاق فبعض البشر أفضل من بعض الملائكة، وبعض الملائكة خير من بعض البشر) .
{ثمَّ عرضهمْ} فَإِن المسميات لما جمعت من يعقل وَمن لَا يعقل؛ كنى بِلَفْظ مَن يعقل تَغْلِيبًا لَهُ.
وَإِنَّمَا عرضهمْ على الْمَلَائِكَة لإِظْهَار فضيلته عَلَيْهِم، فَإِنَّهُم كَانُوا قد قَالُوا: لن يخلق الله خلقا أكْرم عَلَيْهِ منا، فَقَالَ: {أنبئوني} أخبروني {بأسماء هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُم صَادِقين} فِيمَا زعمتم.
قَوْله تَعَالَى: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا} قد ذكرنَا معنى التَّسْبِيح. وَمعنى الْآيَة: أَنَّك أجل من أَن نحيط بِشَيْء من علمك؛ إِلَّا الَّذِي علمتنا مِنْهُ.
{إِنَّك أَنْت الْعَلِيم} أَي: الْعَالم {الْحَكِيم} لَهُ مَعْنيانِ أَحدهَا: الْحَاكِم، وَهُوَ القَاضِي بِالْعَدْلِ.
وَالثَّانِي: معنى الْحَكِيم: الْمُحكم لِلْأَمْرِ كَيْلا يتَطَرَّق إِلَيْهِ الْفساد.
قَوْله تَعَالَى: {قَالَ يَا آدم أنبئهم بِأَسْمَائِهِمْ} لما عرضهمْ على الْمَلَائِكَة فعجزوا؛ يَقُول الله تَعَالَى لآدَم: أخْبرهُم بِأَسْمَائِهِمْ {فَلَمَّا أنباهم بِأَسْمَائِهِمْ} فَأخْبرهُم آدم بأسماء تِلْكَ المسميات، وَالْحكمَة الَّتِي لأَجلهَا خلقُوا، فَلَمَّا أخْبرهُم بهَا {قَالَ الله} تَعَالَى للْمَلَائكَة: {ألم أقل لكم إِنِّي أعلم غيب السَّمَوَات وَالْأَرْض} فَإِنَّهُ قد قَالَ لَهُم: {إِنِّي أعلم مَالا تَعْمَلُونَ} وغيب السَّمَوَات وَالْأَرْض كل مَا غَابَ وخفي عَن الْأَبْصَار.
(وَأعلم مَا تبدون) أَي قَوْلكُم: أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا.
{وَمَا كُنْتُم تكتمون} فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: مَا كتموا من قَوْلهم: لن يخلق الله خلقا أكْرم عَلَيْهِ منا.