إِذْ تعبد الملائكة من غير معَارض يعارضهم وَلَا شَهْوَة تعتريهم وَلَا عَدو يسلطه الله عَلَيْهم بل عبادتهم لله تعالى بِمَنْزِلَة النَّفس لأحدهم).ا. ه.
و يقول العلامة ابن كثير:
وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على اللّه، ولا على وجه الحسد لبني آدم كما قد يتوهمه بعض المفسرين، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون: يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء، مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبِّح بحمدك ونقدِّس لك أي نصلّي لك ولا يصدر منا شيء من ذلك؟
قال اللّه تعالى مجيبًا لهم عن هذا السؤال: {إني أعلم ما لا تعلمون} ، أي إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم، فإني سأجعل فيهم الأنبياء،، ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون، والعُبَّاد والزهاد، والأولياء والأبرار، والمقربون، والعلماء العاملون، والخاشعون والمحبون له تبارك وتتعالى، المتبعون رسله صلوات اللّه وسلامه عليهم.
وقيل: معنى ذلك: إن لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء لا تعلمونها .. أو {ما لا تعلمون} من وجود إبليس بينكم وليس هو كما وصفتم أنفسكم به. وقيل: بل تضمن قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها .. الآية} طلبًا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم، فقال اللّه تعالى ذلك: {إني أعلم ما لا تعلمون} من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم. ذكرها الرازي مع غيرها من الأجوبة والله أعلم [1] ،
وقال العلامة ابن القيم: فالرب تعالى كان يعلم ما في قلب إبليس من الكفر والكبر والحسد ما لا يعلمه الملائكة. فلما أمرهم بالسجود ظهر ما في قلوب الملائكة من الطاعة والمحبة، والخشية والانقياد، فبادروا إلى الامتثال، وظهر ما في قلب عدوه من الكبر والغش والحسد. فأبى واستكبر وكان من الكافرين. واللّه أعلم.
(ولما كان سؤالهم واقعا على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم .. أجاب الله سبحانه عليهم بقوله: {إني أعلم ما لا تعلمون} .. وفي هذا الإجمال ما يغني عن التفصيل، لأن من عَلِم ما لا يعْلَم مُخاطِبُه كان حقيقًا بأن يُسَلِّم له ذلك المخاطِب ما يصدر عنه، وعلى من لا يعلم أن يعترف لمن يعلم - سبحانه - بأن أفعاله صادرة على ما يوجبه العلم وتقتضيه المصلحة الراجحة والحكمة البالغة .. ولم يذكر مُتَعَلَّق قوله تعالى: {تعلمون} -(فلم يحدد ماهو الذي يعلمه ولا يعلمونه) - ليفيد التعميم، ويذهب السامع عند ذلك كل مذهب ويعترف بالعجز ويُقِرُّ بالقصور.) [2] ..
(1) تفسير ابن كثير- دار طيبة - سنة النشر: 1422 هـ / 2002 م - ج 1/ص،217،218.
(2) العلامة: محمد بن علي بن محمد الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية .. ، دار المعرفة، سنة النشر: 1423 هـ / 2004 م، ج 1 ص 45.