فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 604

{وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} .. هذه جملة حال .. والمعنى: أتستخلف عصاة ونحن معصومون أحقاء بذلك، والمقصود منه الاستفسار، وليس العجب والتفاخر. وكأنهم علموا أن المجعول خليفة ذو ثلاث قوى عليها مدار أمره: الشهوة والغضب وهما قوتان تؤديان به إلى الفساد وسفك الدماء، وقوة العقل تدعوه إلى المعرفة والطاعة. ونظروا إلى تلك القوى مفردة وقالوا: ما الحكمة في استخلافه، وهو باعتبار هاتين القوتين لا تقتضي الحكمة إيجاده فضلًا عن استخلافه، وأما باعتبار القوة العقلية فنحن - أى الملائكة - نقيم ما يُتوقع منها سليمًا عن معارضة تلك المفاسد الحادثة من هذا الجنس الجديد. وغفلوا عن فضيلة كل واحدة من القوتين (الشهوة والغضب) إذا صارت مُهذَّبة مِطْوَاعة للعقل، متمرنة على الخير كالعفة والشجاعة ومجاهدة الهوى والإنصاف. ولم يعلموا أن وجود هذه الصفات مجتمعة مع تهذيبها يفيد ما يقصر عنه الآحاد، كالإحاطة بالجزئيات واستنباط الصناعات واستخراج منافع الكائنات الذي هو المقصود من استخلاف آدم وذريته، وإليه أشار تعالى إجمالًا بقوله: {قالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [1] ..

فقصة آدم واستخلافه في الأرض هى فلسفة الارتقاء والتهذيب والرجوع إلى أصل التكريم الرباني في البشرية .. قصة آدم قصة الخطأ والتوبة .. قصة الذنب والاستغفار .. قصة الترقي من السئ إلى الحسن، ومن الحسن للأحسن .. فليس مَن جبل على الطاعة في أصل خلقته كمن رُكِّبَت فيه الشهوات والنقص وهو يجاهد نفسه ليرضي ربه؛ كما قال تعالى {ونفسٍ وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها} .. هذا هو بيت القصيد الذي لم يدركه ولم يعلمه الملائكة في خضم استعلامهم وتعجبهم الذي قابلهم الله تعالى فيه بإعلامهم بإحاطة ولطيف علمه وأنهم ينبغي لهم التسليم لحكمته تعالى .. وكما روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» .

يقول العلامة ابن القيم [2] :

أظهر سُبْحَانَهُ علمه لِعِبَادِهِ ولملائكته بِمَا جعله فِي الارض من خَواص خلقه وَرُسُله وأنبيائه وأوليائه، وَمن يتَقرَّب إليه ويبذل نَفسه فِي محبته ومرضاته مَعَ مجاهدة شَهْوَته وهواه فَيتْرك محبوباته تقربا إليه سبحانه، وَيتْرك شهواته ابْتِغَاء مرضاته، ويبذل دَمه وَنَفسه فِي محبته، ويخصه بِعلم لَا تعلمه الملائكة يسبح بحمد ربه آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار، ويعبده مَعَ معارضات الْهوى والشهوة وَالنَّفس والعدو ..

(1) تفسير البيضاوي = أنوار التنزيل وأسرار التأويل (1/ 68)

(2) في كتابه مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (1/ 4)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت