فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 604

والتسبيح في كلام العرب التنزيه والتبعيد من السوء على وجه التعظيم. والتقديس: التطهير، أي ونطهرك عما لا يليق بك مما نسبه إليك الملحدون وافتراه الجاحدون. وقال بعض المفسرين: ونقدس لك: أي نطهر أنفسنا ونهذبها لأجلك .. فقابل الفساد الذي أكبره الشرك بالتسبيح، وقابلوا سفك الدم بتطهير النفس من المعاصي.

ومعنى: {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} : ننزِّهك عما لا يليق بصفاتك، وقال ابن عبَّاس وابن مسعود: تسبيحُ الملائكةِ صلاتهم للَّه سبحانه، وقال قتادةُ: تسبيحهم قولهم: «سبحانَ اللَّهِ» على عُرْفِه في اللغة، و {بِحَمْدِكَ} : معناه نَصِلُ التسبيح بالحمدِ، ويحتمل أن يكون قولهم: {بِحَمْدِكَ} اعتراضا بين الكلامين؛ كأنهم قالوا: ونحن نسبِّح ونقدِّس، وأنت المحمود في الهداية إِلى ذلك، وخرَّج مسلم في صحيحه عن أبي ذَرٍّ قال: قال لِي رسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «أَلاَ أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ تعالى؟ إِنَّ أَحَبَّ الكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ تعالى: «سبحان الله وَبِحَمْدِهِ» ، وفي رواية: «سُئِلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وسلَّم، أَيُّ الكَلاَمِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَا اصطفى اللَّهُ لِمَلاَئِكَتِهِ أَوْ لِعِبَادِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» .. وفي صحيحَي البخاريِّ ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله العظيم» ، وهذا الحديث به ختم البخاريُّ رحمه اللَّه صحيحه ..

{وَنُقَدِّسُ لَكَ} : قال الضَّحَّاك وغيره: معناه: نُطَهِّرُ أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك، والتقديسُ: التطهير بلا خلافٍ، ومنه الأرض المقدَّسة، أي: المطهَّرة، وقال آخرون: {وَنُقَدِّسُ لَكَ} : معناه: نقدِّسك، أي: نعظِّمك ونطهِّر ذكرك ممَّا لا يليقُ به، قاله مجاهد وغيره. انتهى [1]

قال القاضي البيضاوي - رحمه الله:

هذا تَعَجُبٌ من الملائكة أن يستخلف الله سبحانه لعمارة الأرض وإصلاحها مَن يفسد فيها، أو يستخلف مكان أهل الطاعة (الملائكة) أهل المعصية (من البشر الحمقى الضالين) ، واستكشافٌ عما خفي عليهم من الحكمة التي بهرت تلك المفاسد وألغتها، واستخبارٌ عما يرشدهم ويزيح شبهتهم كسؤال المتعلم معلمه عما يختلج في صدره، وليس - أبدًا - باعتراضٍ على الله تعالى جلت قدرته، ولا طعنًا في بني آدم على وجه الغيبة، فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك لقوله تعالى: {بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} .. وإنما عرفوا أن من بني آدم المفسدون وسافكي الدماء إما بإخبارٍ من الله تعالى، أو بتلقي من اللوح المحفوظ، أو باستنباطٍ عما ركز في عقولهم أن العصمة من خواصهم والبشر ليس لهم عصمة وفيهم الشهوات والغضب، أو بقياس لما رأوه من خلق سكن الأرض قبلهم فأفسد وسفك الدماء فقاسوا السابق على الآتي.

(1) تفسير الثعالبي = الجواهر الحسان في تفسير القرآن (1/ 208،207)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت