فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 604

[1] .. ولإظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم، وجوابه وبيان أن الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره، فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير إلى غير ذلك. [2]

وقد فصَّل القول الشيخ الإمام محمد عبده في تفسيره متأملًا من وجوهٍ فقال:

(أحدها) أن الله - تعالى - في عظمته وجلاله يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعه، وما يخفى عليهم من أسرار في خلقه ولا سيما عند الحيرة، والسؤال يكون بالمقال ويكون بالحال والتوجه إلى الله - تعالى - في استفاضة العلم بالمطلوب من ينابيعه التي جرت سننه - تعالى - بأن يفيض منها (كالبحث العملي والاستدلال العقلي والإلهام الإلهي) وربما كان للملائكة طريق آخر لاستفاضة العلم غير معروفة لأحد من البشر فيمكننا أن نحمل سؤال الملائكة على ذلك.

(ثانيهما) إذا كان من أسرار الله - تعالى - وحكمه ما يخفى على الملائكة فنحن أولى بأن يخفى علينا، فلا مطمع للإنسان في معرفة جميع أسرار الخليقة وحكمها؛ لأنه لم يؤت من العلم إلا قليلا.

(ثالثها) أن الله - تعالى - هدى الملائكة في حيرتهم، وأجابهم عن سؤالهم لإقامة الدليل بعد الإرشاد إلى الخضوع والتسليم، وذلك أنه بعد أن أخبرهم بأنه يعلم ما لا يعلمون علم آدم الأسماء ثم عرضهم على الملائكة كما سيأتي بيانه.

(رابعها) تسلية النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تكذيب الناس، ومحاجتهم في النبوة بغير برهان على إنكار ما أنكروا وبطلان ما جحدوا، فإذا كان الملأ الأعلى قد مثلوا على أنهم يختصمون ويطلبون البيان والبرهان فيما لا يعلمون، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين، وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين؛ أي فعليك أيها الرسول أن تصبر على هؤلاء المكذبين وترشد المسترشدين، وتأتي أهل الدعوة بسلطان مبين. وهذا الوجه هو الذي يبين اتصال هذه الآيات بما قبلها، وكون الكلام لا يزال في موضوع الكتاب وكونه لا ريب فيه، وفي الرسول وكونه يبلغ وحي الله - تعالى - ويهدي به عباده، وفي اختلاف الناس فيهما.

ومن خواص القرآن الحكيم الانتقال من مسألة إلى أخرى مباينة لها أو قريبة منها مع كون الجميع في سياق موضوع واحد [3]

{قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ} ..

(والفساد: ضد الصلاح، وسفك الدم: صبه، قاله ابن فارس والجوهري: ولا يستعمل السفك إلا في الدم، {ونحن نسبح بحمدك} أى نسبحك متلبسين بحمدك على أن شرفتنا وهديتنا لتسبيحك.

(1) جاء في التحرير والتنوير 1/ 400 بتصرف يسير.

(2) راجع تفسير البيضاوي = أنوار التنزيل وأسرار التأويل (1/ 68)

(3) تفسير المنار [ص: 213]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت