قال البيضاوي: وقوله تعالى {إني جاعل} : من فعل"جعل"الذي له مفعولان وهما {في الْأَرْضِ خَلِيفَةً} ، ويجوز أن يكون"جاعل"بمعنى خالق.
و"الخليفة"من يخلف غيره وينوب منابه، والمراد به آدم عليه الصلاة والسلام لأنه كان خليفة الله في أرضه، وكذلك كل نبي استخلفهم الله في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم، لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه، بل لقصور المستخلف عليه (وهم عوام الناس) عن قبول فيضه، وتلقي أمره بغير وسط، ولذلك لم يستنبئ ملكًا كما قال الله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا} .. ألا ترى أن الأنبياء لما فاقت قوتهم، واشتعلت قريحتهم بحيث {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لم تمسسه نار} ، أرسل إليهم الملائكة .. ومَنْ كان منهم أعلى رتبة كلَّمه بلا واسطة، كما كلم موسى عليه السلام في الميقات، ومحمدا صلّى الله عليه وسلّم ليلة المعراج، ونظير ذلك في الطبيعة أن العظم لما عجز عن قبول الغذاء من اللحم لما بينهما من التباعد، جعل الباري تعالى بحكمته بينهما الغضروف المناسب لهما ليأخذ من هذا ويعطي ذلك.
أو على معنى أنه خليفة يخلف مَن سكن الأرض قبله، أو هو وذريته لأنهم يخلف بعضهم بعضًا (قلت: وهذا المعنى أيده الطبري و ابن تيمية وابن كثير في تفسيره حيث قال: {إني جاعل في الأرض خليفة} أي قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل، كما قال تعالى: {هو الذي جعلكم خلائف الأرض} ، وقال: {ويجعلكم خلفاء الأرض} ، وليس المراد ههنا بالخليفة آدم عليه السلام فقط كما يقوله طائفة من المفسرين، إذ لو كان ذلك لما حسن قول الملائكة: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} ، فإنهم أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية، أو أنهم قاسوهم على من سبقهم في الأرض. ا. ه.)
قال البيضاوي: قصد آدم وذريته ولم يقل"خلائف"، وإفراد اللفظ: إما للاستغناء بذكره عن ذكر بنيه كما استغني بذكر أبي القبيلة في قولهم: مضر وهاشم؛ يقصد أبناء قبيلة مضر وهاشم. أو أن"خليفة"على تأويل مَن يخلفكم، أو خلفًا يخلفكم. ا. ه.
قال العلامة ابن عاشور: وقول الله هذا موجه إلى الملائكة على وجه الإخبار ليسوقهم إلى معرفة فضل الجنس الإنساني على وجه يزيل ما علم الله أنه في نفوسهم من سوء الظن بهذا الجنس، وليكون كالاستشارة لهم تكريما لهم فيكون تعليما في قالب تكريم مثل إلقاء المعلم فائدة للتلميذ في صورة سؤال وجواب .. وليسن الاستشارة في الأمور كلها ومن كل الناس فلا يستغني عن الاستشارة كبير أو صغير، ولتنبيه الملائكة على ما دق وخفي من حكمة خلق آدم كذا ذكر المفسرون