{كَذلِكَ} أي مثل ذلك الذي سمعت به على ذلك المنهاج {قالَ} الجهلة {الَّذِينَ لا يعلمون} لا علم عندهم ولا كتاب؛ كعبدة الأصنام والمعطلة ونحوهم؛ قالوا لأهل كل دين: ليسوا على شيء. وهذا توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك مَن لا يعلم.
{فَاللَّهُ يَحْكُمُ بينهم} أى بين اليهود والنصارى {يَوْمَ الْقِيامَةِ} بما يقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه. وعن الحسن: حكم اللَّه بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار. [1]
ومعنى الحكم هنا ليس هو بيان المخطئ من المصيب فالطوائف الثلاث مخطئة. والطوائف الثلاث في إنكارها للإسلام قد خرجت عن إطار الإيمان. ويأتي الحكم يوم القيامة ليبين ذلك ويواجه المخالفين بالعذاب. [2]
توعَّد الفريقين بحكمه بينهم يوم القيامة. وقد أبهم حكمه سبحانه فيما فيه يختلفون جميعه؛ فيدخل فيه كل قول قالوه، وكل ما اعتقدوا.
قال الرازي: واعلم أن هذه الواقعة بعينها قد وقعت في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم -فإن كل طائفة تكفر الأخرى مع اتفاقهم على تلاوة القرآن. انتهى
(فإن قيل: كيف عرض تعالى بتكذيبهم فيما ادعوه، وقد صدق الفريقان على قول المسلمين أنهما كلتيهما على الباطل؟
قيل: ليس قول أحد الفريقين بسديدٍ من وجه، إذ قد بتُّوا الحكم وليس ذلك على البت والقطع، فكلا الفريقين في وقتٍ وعلى وجهٍ على حقٍ، على أن القصد بالآية الدلالة على جهلهم وتخبطهم مع تشاركهم في قراءة التوراة دالَّةً على ما اختلفوا فيه، فبيَّن أن كلا الفريقين حائدٌ عن الطريق، وأنهم في الجهل أو التجاهل كالمشركين الذين لا كتاب لهم في دعواهم على أهل الكتابين والمسلمين أنهم ليسوا على شي). [3]
والخلاصة أن في الآيات: ذكر ما ادعاه كل فريقٍ من فرقاء أهل الكتاب أن الجنة من نصيبه لوحده، فأكذب الله الفريقين، وطالبهم بالدليل الصادق على ما ادعوه، وبيَّن سبحانه أن ذلك من قبيل التخرُّص والتمني بغير بيِّنةٍ. فالذين يحوزون رضا الله ويستحقون النجاة والثواب هم أهل التسليم لله تعالى فيما أمر والعمل الصالح على مقتضى شريعته. وفيه تبكيتٌ خفىٌ لمسلكِ أولئك الضالين عن الصراط المستقيم (ويستمر معنا الحديث عن الصراط والناكبين عنه، فتأمل) . ثم يرجع القول لسخيف قولهم ويبين هنا مدى تخبطهم في تكفير بعضهم
(1) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 179)
(2) تفسير الشعراوي (1/ 536)
(3) تفسير الراغب الأصفهاني (1/ 296) بتصرف يسير.