قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا قَدِمَ أَهْلُ نَجْرَانَ مِنْ النَّصَارَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَتْهُمْ أَحْبَارُ يَهُودَ، فَتَنَازَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَكَفَرَ بِعِيسَى وَبِالْإِنْجِيلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ النَّصَارَى لِلْيَهُودِ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَجَحَدَ نُبُوَّةَ مُوسَى وَكَفَرَ بِالتَّوْرَاةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: {وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ} . [1]
وقد صدقوا جميعا إذ لا دين بعد البعثة المحمدية إلا دين الإسلام كما كذبوا في الآية السابقة. وقد وضع الناس لغزًا في هذا فقالوا: قومٌ صدقوا ودخلوا النار أي إذا ماتوا على ما عاشوا عليه من عقيدتهم الواهية، وهم اليهود والنصارى في قول هم في هذه الآية. كما يُقال في اخوة يوسف عليهم السلام قوم كذبوا ودخلوا الجنة، لأن فعلتهم مع أخيهم أعقبتها التوبة منهم.
وليس مثل الاسلام في صراحته وسعة أفقه، فهو يصدق بالأديان السماوية ويعتبرها، ويؤمن بكتبها الحقيقية قبل أن يطرأ عليها التحريف. ما أعظم قوله تعالى: {آمَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والمؤمنون كُلٌّ آمَنَ بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} (البقرة: 285) . هذا هو الاسلام وهذه هي عظمته.
وقولهم: {عَلى شَيْءٍ} أي على شيءٍ يصح ويُعتدّ به. وهذه مبالغة منهم في الإنكار على بعضهم البعض، فالشيء يطلق على مطلق الموجود، وقد بالغوا في نفى أقل وجود لما هم عليه. كقول القائل: أقل من لا شيء. وهذا بيانٌ لمدى العداوة بين أهل الباطل ولو اتفقوا ظاهرا على معاداة الحق، كما قال تعالى: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} (المائدة: 64) ، وكما قال بعضهم: إذا اجتمع عشرة نفر من النصارى خرجوا على إحدى عشرة مذهب.
وقوله تعالى: {وهم يتلون الكتاب} جملة حالٍ فيها كثير من التوبيخ لهم، إذ هم بذلك الجهل والعداء وهم يتلون الكتاب بين أيديهم وفيه الحق الذي نبذوه.
قال صاحب الكشاف: وحق مَن حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب اللَّه وآمن به ألَّا يكفر بالباقي؛ لأن كل واحد من الكتابين مصدّقٌ للثاني شاهد بصحته، وكذلك كتب اللَّه جميعا متواردة على تصديق بعضها بعضا.
(1) سيرة ابن هشام ت السقا (1/ 549)