فهرس الكتاب

الصفحة 540 من 604

في بلادهم وذلك لا يقضي بهدم المعبد وإحراق كتب الدين، فهذه قرائن ترجح أنه كان للمسيحيين يد في إغارة تيطس، ولكن لا يجزم به إلا إذا وجد نقل تاريخي صحيح يؤيد الخبر.

ومن الغريب أن ابن جرير الطبري قال في تفسيره: إن الآية في اتحاد المسيحيين مع (بختنصر البابلي) على تخريب بيت المقدس مع أن حادثة بختنصر كانت قبل وجود المسيح والمسيحية بستمائة وثلاث وثلاثين سنة. ولو لم يكن مؤرخا من أكبر المؤرخين لالتمس له العذر بحمل قوله على حادثة (أدرينال الروماني) الذي جاء بعد المسيح بمائة وثلاثين سنة، وبنى مدينة على أطلال أورشليم وزينها وجعل فيها الحمامات، وبنى هيكلا للمشترى على أطلال هيكل سليمان، وحرم على اليهود دخول هذه المدينة، وجعل جزاء من يدخلها القتل؛ فلذلك كان اليهود يسمونه (بختنصر الثاني) لشدة ما قاسوا من ظلمه واضطهاده. ولكن هذا لا يصح أن يكون عذرا للمؤرخ.

(الثاني) : ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله -تعالى: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) نزل في منع مشركي العرب النبي وأصحابه من دخول مكة في قصة عمرة الحديبية، وقالوا: إن حادثة الرومانيين كانت قد طال عليها الأمد فلا مناسبة لإرادتها بالآية.

واعترض على هذا القول بأن مشركي العرب ما سعوا في خراب الكعبة، بل كانوا عمروها في الجاهلية وكانوا يعظمونها ويرونها مناط عزهم ومحل شرفهم وفخرهم.

وقال الأستاذ محمد عبده: يصح أن تكون الآية في الأمرين على التوزيع، فالذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه هم مشركو مكة، والذين سعوا في خرابها هم مشركو الرومانيين.

ويكون قرن ما عمل المشركون من منع البيت الحرام أن يذكر فيه اسم الله بزيارة النبي وأصحابه بما عمل من قبلهم من مشركي الرومانيين من التخريب من قبيل الإشارة إلى تساوي الفعلين في القبيح.

(الثالث) : أن الكلام في أهل الكتاب، وأن الآية ليست منبئة بأمر وقع،

ولكن بأمر سيقع، وهو ما كان بعد ذلك من إغارة الصليبيين على بيت المقدس وغيره من بلاد المسلمين وصدهم إياهم عن المسجد الأقصى، وتخريبهم كثيرا من المساجد.

(الرابع) : وهو مبني أيضا على أن الآية منبئة عن أمر سيقع وأن المراد بها حادثة (القرامطة) الذين هدموا الكعبة ومنعوا المسلمين منها، وهدموا كثيرا من المساجد، كأنه بعد أن ذكر حال أهل الكتاب في طعن اليهود منهم بالنصارى وقولهم فيهم: إنهم ليسوا على شيء من الدين، وطعن النصارى في اليهود كذلك، وبعد قوله في المشركين الذين لا يعلمون الكتاب: إنهم قالوا مثل قولهم، لم يبق إلا ما سيقع للمسلمين وفي المسلمين، فأنبأ الله - تعالى - بهذه الحادثة من الإخبار بالغيب فوقعت، وكانت حادثتهم من أكبر الأحداث في المسلمين، فإنهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت