استولوا على جزء كبير من ممالك الإسلام وهدموا المساجد، وعاثوا في الأرض فسادا ولم يكن في أيام الحروب الصليبية على طولها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة مثلما كان على عهد (القرامطة) فالآيات على هذا مبينة لأحوال جميع الملل.). انتهى كلام صاحب المنار. [1]
وأخرج ابن أبي حاتم أن قريشا منعوا النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله تعالى:"ومَن أظلم ..."الآية، ورجحه ابن كثير في تفسيره.
وأخرج ابن كثير، وأخرج ابن جرير عن أبي زيد قال: هؤلاء المشركون -حين حالوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحدييبة وبين أن يدخل مكة.
قال ابن جرير: وأولى التأويلات قول من قال: عنى الله عز وجل بقوله"ومن أظلم ..."النصارى. وقال: إن النصارى هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس بدليل أن مشركي العرب لم يسعوا في خراب المسجد الحرام وإن كانوا قد منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأوقات من الصلاة فيه. وأيضًا الآية التي قبل هذه والتي بعدها في ذم أهل الكتاب، ولم يجر لمشركي مكة ذكر، ولا للمسجد الحرام، فتعين أن يكون المراد بهذه بيت المقدس.
وقال الرازي: وعندي فيه وجهٌ وهو أقرب إلى رعاية النظم. وهو أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فكانوا يمنعون الناس عن الصلاة إلى الكعبة، ولعلهم سعوا أيضًا في تخريب الكعبة وفي تخريب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقال الطبري: وإن كان قد دل بعموم قوله: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} ، أن كلَّ مانعٍ مصليًا في مسجدٍ لله، فرضا كانت صلاته فيه أو تطوعا-، وكل ساعٍ في إخرابه فهو من المعتدين الظالمين.
وقال الزمخشري رحمه الله: لا بأس أن يجيء الحكم عاما وإن كان السبب خاصا، كما تقول لمن آذى صالحا واحدًا: ولا أظلم ممن آذى الصالحين. وكما قال اللَّه عز وجل: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} والمنزول فيه الأخنس بن شريق.
قلتُ -متأمله: وهذا هو الصواب فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويدخل فيه السبب الخاص دخولًا أوليًا.
(1) تفسير المنار لمحمد رشيد رضا (1/ 355) .