فهرس الكتاب

الصفحة 542 من 604

وقد رجح ابن العربي رحمه الله: أَنَّ ذلك في كُلِّ مَسْجِدٍ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ؛ فَتَخْصِيصُهُ بِبَعْضِ الْمَسَاجِدِ أَوْ بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ مُحَالٌ.

قال: وفَائِدَةُ هَذِهِ الْآيَةِ تَعْظِيمُ أَمْرِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ وَأَعْظَمَهَا أَجْرًا كَانَ مَنْعُهَا أَعْظَمَ إثْمًا، وَإِخْرَابُ الْمَسَاجِدِ تَعْطِيلٌ لَهَا وَقَطْعٌ بِالْمُسْلِمِينَ فِي إظْهَارِ شَعَائِرِهِمْ وَتَأْلِيفِ كَلِمَتِهِمْ. [1]

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} هذا الاستفهام فيه أبلغ دلالة على أن هذا الظلم غير متناهٍ، وأنه بمنزلة لا ينبغي أن يلحقه سائر أنواع الظلم. أي لا أحد أظلم ممن يمنع مساجد الله أي من يأتي إليها للصلاة والتلاوة والذكر وتعليمه. وهو استفهام غرضه البلاغي الإنكار الشديد والاستنكار. وليس غرضه حصر أقصى الظلم في هذا فقط، فقد وردت الآيات بأنواع كثيرة من الفسوق هى من أظلم الظلم وهذا أحدها في بابه كما قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} [البقرة: 140] ، وقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأنعام: 21] ، وقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ} [الكهف: 57] . فكل ذلك وما شاكله في التنزيل من أظلم الظلم ولا تعارض.

وقَوْله تَعَالَى: {مَسَاجِدَ اللَّهِ} [البقرة: 114] يَقْتَضِي أَنَّهَا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، الَّذِينَ يُعَظِّمُونَ اللَّهَ تَعَالَى، وَذَلِكَ حُكْمُهَا بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ؛ عَلَى أَنَّ الْبُقْعَةَ إذَا عُيِّنَتْ لِلصَّلَاةِ خَرَجَتْ عَنْ جُمْلَةِ الْأَمْلَاكِ الْمُخْتَصَّةِ بِمالكها، فَصَارَتْ عَامَّةً لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْفَعَتِهَا وَمَسْجِدِيَّتِهَا، فَلَوْ بَنَى الرَّجُلُ فِي دَارِهٍ مَسْجِدًا وَحَجَزَهُ عَنْ النَّاسِ، وَاخْتَصَّ بِهِ لِنَفْسِهِ لَبَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ إلَى حَدِّ الْمَسْجِدِيَّةِ، وَلَوْ أَبَاحَهُ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ لَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ الْعَامَّةِ، وَخَرَجَ عَنْ اخْتِصَاصِ الْأَمْلَاكِ. [2]

وقوله تعالى: {وسعى في خرابها} قال أبو البقاء: الخراب اسم مصدر بمعنى التخريب، وقال غيره: هو مصدر خرِب المكان يخرِب خرابًا، وهو هنا السعي في هدمها ورفع بنيانها، ويجوز أن يراد بالخراب تعطيلها عن

(1) راجع في هذا والدر المنثور للسيوطي: 1/ 264 - 265، وتفسير ابن كثير: 1/ 274، والطبري: 2/ 520 - 521. وتفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 179) . وأحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (1/ 50) .

(2) راجع في هذا والدر المنثور للسيوطي: 1/ 264 - 265، وتفسير ابن كثير: 1/ 274، والطبري: 2/ 520 - 521. وتفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 179) . وأحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (1/ 50) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت