فهرس الكتاب

الصفحة 526 من 604

وفائدة هذا التنبيه أو التنبيهات أن يعلم المسلمون أن ما يبدو من أهل الكتاب أحيانا من إلقاء الشبه على الإسلام وتشكيك المسلمين فيه، إنما هو مكر السوء، يبعث عليه الحسد، وقال: {حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} ليبين أن حسدهم لم يكن عن شبهة دينية أو غيرةً على حقٍ يعتقدونه، وإنما هو خبث النفوس وفساد الأخلاق والجمود على الباطل، وإن ظهر لصاحبه الحق؛ ولذلك قفاه بقوله: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} أي بالآيات التي جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وبانطباق ما يحفظون من بشارات كتبهم بنبي آخر الزمان عليه.

ثم أمر الله -تعالى -المؤمنين بأن يقابلوا هذا الحسد وما ينبعث عنه بما يليق بهم من محاسن الأخلاق، فقال: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا} ، ولم يقل: فاعفوا واصفحوا (عنهم) كأنه لإرادة العموم، أي عاملوا جميع الناس بالصفح والعفو، فإن هذا هو اللائق بشأن المؤمنين المتقين {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} (الفرقان: 63) .

والعفو ترك العقاب على الذنب. والصفح: الإعراض عن المذنب بصفحة الوجه، فيشمل ترك العقاب وترك اللوم والتثريب.

(قال الأستاذ محمد عبده رحمه الله) : وفي أمره - تعالى - لهم بالعفو والصفح إشارة إلى أن المؤمنين على قلتهم هم أصحاب القدرة والشوكة؛ لأن الصفح إنما يطلب من القادر على خلافه، كأنه يقول: لا يغرنكم أيها المؤمنون كثرة أهل الكتاب مع باطلهم فإنكم على قلتكم أقوى منهم بما أنتم عليه من الحق، فعاملوهم معاملة القوي العادل للقوي الجاهل، (قال) : وفي إنزال المؤمنين على ضعفهم منزل الأقوياء، ووضع أهل الكتاب على كثرتهم موضع الضعفاء، إيذانٌ بأن أهل الحق هم المؤيدون بالعناية الإلهية، وأن العزة لهم ما ثبتوا على حقهم، ومهما يتصارع الحق والباطل فإن الحق هو الذي يصرع الباطل، وإنما بقاءُ الباطل في غفلةِ الحقِّ عنه. ثم قال -تعالى: {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} فوعدهم بأن سيمدهم بمعونته، ويؤيدهم بنصره، ثم أحالهم بقوله: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} على قدرته النافذة التي لا يشذ عنها شيء في العالمين تأييدا للوعد، وكشفا لشبهة مَن عساه يقول: أنى لهذه الشرذمة القليلة العدد، الضعيفة القوى، أن تنتحل لنفسها وصف الملوك العالين، وتقف مع الأمم القوية موقف العافين القادرين؟ فجاء الجواب يقول لمثل هذا المشتبه: إن الذي أوقفها هذا الموقف، ومنحها هذا الوصف، وهو القادر على أن يهبها من القوة ما تتضاءل دونه جميع القوى، وهو ما يؤيد به

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت