فأُنزل بسببها آيات هي تشريع عام للامة إلى يوم القيامة مثل قضية الظهار واللعان وغيرها. أقول: وهذه قاعدة صحيحة قطعا يمثل لها ما قدمنا من الترجيح في الآية المذكورة آنفا (109 من البقرة) ، وما كان في مرتبتها من عموم اللفظ. ويشذ عن هذه القاعدة - على خلافٍ يستحق التأمل- ما إذا كان اللفظ فيه نوع خصوص بنوعٍ أو شخصٍ او أشخاصٍ ومثل ذلك، كما يشذ عنها ما إذا كان الكلام لا ينفك لفهمه عن سببه كما في آية {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} (البقرة: 158) ؛ فقد فهم عروة بن الزبير أن الطواف بالصفا والمروة مباح وليس بركن في الحج، وقد ردت ام المؤمنين عائشة - عليها الرضوان- على عروة في فهمه ذلك بسبب نزولها وهو أن الصحابة تأثموا من السعي بينهما لأنه من عمل الجاهلية. فنزلت. ومثل ذلك وإن كان أخفى ما نقلنا آنفا في قوله تعالى {لا تقولوا راعنا} الآية؛ فمن المشكل أن ينهى المؤمنون عن لفظ عادي، إلا أن يكون خلف ذلك قصة فاستصحب ذلك في تعاملك مع تدبر كتاب الله والله أعلم.
نعود فنقول:
بيَّن الله - تعالى - في الآية الأولى من هاتين الآيتين أن أهل الكتاب المتعصبين لدينهم - من حيث هو جنسية لهم تقوم بها منافع جنسهم - لم يكتفوا بكفرهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والكيد له ونقض ما عاهدهم عليه حسدا له ولقومه على نعمة النبوة، بل هم يزيدون على ذلك ما قصه - تعالى - بقوله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا} ، فهو بيان لما يضمرونه وما تكنه صدورهم للمسلمين من الحسد على نعمة الإسلام التي عرفوا أنها الحق، ولكنهم شق عليهم أن يتبعوهم، فتمنوا أن يحرموا هذه النعمة ويرجعوا كفارا كما كانوا، وذلك شأن الحاسد يتمنى أن يسلب محسوده النعمة ولو لم تكن ضارة به، فكيف إذا كان يعلم أن تلك النعمة إذا تمت وثبتت يكون من أثرها سيادة المحسود عليه، كما كان يتوقع علماء يهود في عصر التنزيل؟ وقد جاء هذا التنبيه تتمة لقوله -تعالى - قبل آيات: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} (البقرة: 105) وقد بيَّن الله لنا ما كان من محاولة أهل الكتاب وتحيلهم على تشكيك المسلمين في دينهم كقول بعضهم لبعض: بأن يؤمنوا أول النهار ويكفروا آخره، لعل ضعفاء الإيمان يرجعون عن الإسلام اقتداء بهم، كما سيأتي في سورة آل عمران، وفي هذه الآية وما بعدها إشارة إلى أن لذلك بعض الأثر في نفوس بعض المسلمين.