«وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا، وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ» ..
وكان هذا هو الذي يقولونه إذا دعوا إلى الإيمان بالقرآن وبالإسلام. كانوا يقولون «نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا» ..
ففيه الكفاية، وهو وحده الحق، ثم يكفرون بما وراءه. سواء ما جاءهم به عيسى عليه السلام، وما جاءهم به محمد خاتم النبيين.
والقرآن يعجب من موقفهم هذا، ومن كفرهم بما وراء الذي معهم «وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ» ..
وما لهم وللحق؟ وما لهم أن يكون مصدقًا لما معهم! ما داموا لم يستأثروا هم به؟ إنهم يعبدون أنفسهم، ويتعبدون لعصبيتهم. لا بل إنهم ليعبدون هواهم، فلقد كفروا من قبل بما جاءهم أنبياؤهم به ... ويلقن الله نبيه- صلى الله عليه وسلم- أن يجبههم بهذه الحقيقة، وكشفا لموقفهم وفضحًا لدعواهم:
«قُلْ: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؟» ..
لم تقتلون أنبياء الله من قبل، إن كنتم حقًا تؤمنون بما أُنزل إليكم؟ وهؤلاء الأنبياء هم الذين جاؤوكم بما تدَّعون أنكم تؤمنون به؟
لا بل إنكم كفرتم بما جاءكم به موسى- نبيكم الأول ومنقذكم الأكبر-:
«وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ» ..
فهل اتخاذكم العجل من بعد ما جاء كم موسى بالبينات، وفي حياة موسى نفسه، كان من وحي الإيمان؟ وهل يتفق هذا مع دعواكم أنكم تؤمنون بما أنزل إليكم؟ [1]
(1) في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب عفا الله عنه (1/ 90)