فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 604

وأما قوله تعالى: {بَغْيًَا} البغى هو التجاوز في الطلب. يقال: بَغَيْتُ الشيء: إذا طلبت أكثر ما يجب، وابْتَغَيْتُ كذلك، قال الله عزّ وجل: {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ} (التوبة/ 48) ، وقال تعالى: {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} (التوبة/ 47) . فإذا كان طلبا في الحق فمحمود، وإن كان طلبا للباطل فمذموم كما قال تعالى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} (الشورى/ 42) ، فخصّ العقوبة ببغيه بغير الحق. [1]

ويهود هنا يطلبون ويبغون ما ليس لهم من نبى آخر الزمان أن يكون فيهم حسدًا من عند أنفسهم، واعتراضا على الله تعالى {أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} ،فهو تعليل لكفرهم لا لشرائهم، أي كفروا به لمحض البغي الذي أثاره الحسد. لذلك فسر علماء السلف {بغيا} هنا بسببها الدفين في نفوسهم وهو الحسد والحقد، وهذه عادة يعرفها من تمرس على تفسير السلف أنهم يبحثون في القرآن عن المعاني لا عن حل الألفاظ لغويا، فتنبه.

وأما قوله تعالى {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} يقول العلامة القاسمي رحمه الله:

أي رجعوا لأجل ذلك بغضب، في حسدهم لهذا النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى كفروا به عَلى غَضَبٍ كانوا استحقوه قبل بعثته صلّى الله عليه وسلّم من أجل تحريفهم الكلم، وتضييعهم بعض أحكام التوراة، وكفرهم بعيسى عليه السلام.

قال الرازيّ: إن غضبه تعالى يتزايد ويكثر ويصح فيه ذلك كصحته في العذاب، فلا يكون غضبه على من كفر بخصلة واحدة، كغضبه على من كفر بخصال كثيرة.

(1) (أفاده الراغب في المفردات في غريب القرآن(ص: 137) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت