وقوله تعالى: {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} قال الطبري: يعني بـ"إسلام الوجه": التذلل لطاعته سبحانه والإذعان لأمره. وأصل"الإسلام": الاستسلام، لأنه"من استسلمت لأمره"، وهو الخضوع لأمره. وإنما سمي"المسلم"مسلما بخضوع جوارحه لطاعة ربه.
وَالْوَجْهُ هُنَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجَارِحَةُ خُصَّ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ، وأكثرها في آدم حرمة، أَوْ لِأَنَّهُ فِيهِ أَكْثَرُ الْحَوَاسِّ. فإذا خضع لشيء وجهه الذي هو أكرم أجزاء جسده عليه فغيره من أجزاء جسده أحرى أن يكون أخضع له. ولذلك تذكر العرب في منطقها الخبر عن الشيء، فتضيفه إلى"وجهه"وهي تعني بذلك نفس الشيء وعينه، كقول الأعشى:
أَؤُوِّل الحكم على وَجهه ... ليس قضائي بالهوى الجائرِ. يعني بقوله:"على وجهه": على ما هو به من صحته وصوابه، وما أشبه ذلك، إذْ كان حسن كل شيء وقبحه في وجهه، وكان في وصف العرب من الشيء وجهه بما تصفه به، إبانةٌ عن عين الشيء ونفسه.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِهَةُ، وَالْمَعْنَى: أَخْلَصَ طَرِيقَتَهُ فِي الدِّينِ لِلَّهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَخْلَصَ دِينَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْلَصَ عَمَلَهُ لِلَّهِ. وَقِيلَ: قَصْدَهُ. وَقِيلَ: فَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: خَضَعَ وَتَوَاضَعَ. وَهَذِهِ أَقْوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا يَقُولُهَا السَّلَفُ عَلَى ضَرْبِ الْمِثَالِ، لَا عَلَى أَنَّهَا مُتَعَيَّنَةٌ يُخَالِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَهَذَا مطرد في كثير مما جاء عن السلف في التفسير فتنبه.
وأما قوله تعالى: {وهو محسن} ، فإنه يعني به: في حال إحسانه. وتأويل الكلام: بلى من أخلص طاعته لله وعبادته له، محسنا في فعله ذلك.
قال أبو حيان: {وَهُوَ مُحْسِنٌ} : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، وَهِيَ مُؤَكِّدَةٌ لما قبلها مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، لِأَنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ فَهُوَ مُحْسِنٌ. وَقَدْ قَيَّدَ (الزَّمَخْشَرِيُّ) الْإِحْسَانَ بِالْعَمَلِ، وَجَعَلَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} : مَنْ أَخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ غَيْرَهُ، وَهُوَ مُحْسِنٌ فِي عَمَلِهِ، فَصَارَتِ الْحَالُ هُنَا مُبَيِّنَةً، إِذْ مَنْ لَا يُشْرِكُ قِسْمَانِ: مُحْسِنٌ فِي عَمَلِهِ، وَغَيْرُ مُحْسِنٍ، وَذَلِكَ مِنْهُ جُنُوحٌ إِلَى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزَالِيِّ مِنْ أَنَّ الْعَمَلَ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَأَنَّهُ بِهِمَا يَسْتَوْجِبُ دُخُولَ الْجَنَّةِ، وَلِذَلِكَ فَسَّرَ قَوْلَهُ: {فَلَهُ أَجْرُهُ} الَّذِي يَسْتَوْجِبُهُ. [1]
أقول-متأمله: ولعل الزمخشري أصاب في ناحية وأخطأ في الثانية، إذ أن العمل ركن أساسي من أركان الإيمان، كما اقترن كثيرا في القرآن الإخلاص مع إحسان العمل، كما في اقتران الإيمان بالعمل،
(1) ناظر مشكورا في تفسير الآية البحر المحيط في التفسير (1/ 564) و تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (2/ 507)