ومن نفيس صناعة البلاغة ما طرحه الزمخشري وأجاب عنه حين تسائل: فإن قلت: لم قيل تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ وقولهم (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) أمنية واحدة؟
وكان جواب العلامة ابن المنير في حاشيته أروق فقال:
والجواب القريب: أنهم لشدة تمنيهم لهذه الأمنية ومعاودتهم لها وتأكدها في نفوسهم جمعت، ليفيد جمعها أنها متأكدة في قلوبهم، بالغة منهم كل مبلغ، والجمع يفيد ذلك وإن كان مؤداه واحدًا. ونظيره قولهم: رجل جياع، فجمعوا الصفة ومؤداها واحد، لأن موصوفها واحد تأكيدًا لثبوتها وتمكنها. وهذا المعنى أحد ما روى في قوله تعالى: (إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) فانه جمع قليلا وقد كان الأصل إفراده، فيقال لشرذمة قليلة كقوله تعالى: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ) لولا ما قصد إليه من تأكيد معنى القلة بجمعها. ووجه إفادة الجمع في مثل هذا للتأكيد أن الجمع يفيد بوضعه الزيادة في الآحاد، فنقل إلى تأكيد الواحد، وإبائه زيادته على نظرائه نقلا مجازيا بديعًا، فتدبر هذا الفصل فانه من نفائس صناعة البيان واللَّه الموفق.
قلتُ -متأمله: وللزمخشري وجهٌ حسن قال فيه: أو أريد أمثال تلك الأمنية أمانيهم، يريد أن أمانيهم جميعا في البطلان مثل أمنيتهم هذه. [1]
وهذا القول ناطق بأمنية واحدة ولكنها تتضمن أماني متعددة هي لوازم لها، كنجاتهم من العذاب وكوقوع أعدائهم فيه وحرمانهم من النعيم، ولهذا ذكر الأماني بالجمع ولم يقل: تلك أمنيتهم. [2]
وتأمل كيف جاء التعبير بالإشارة للبعيد (تلك) عدولا عن (هذه) إيماءً إلى استبعاد أمانيهم من كل وجه.
{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة: 112)
{بلى} : فيه رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلا مَن كان هودا او نصارى} ، فقيل لهم: بلى يدخلها مّن أسلم وجهه لله كان هودا أو نصارى أو غيرهم، فالنجاة ليست مختصةً بصنف اليهود والنصارى ولكنها مختصة بإسلام الوجه لله والخضوع له تعالى ولأمره.
و"بلى"في اللغة جواب إيجابٍ (إقرار = عكس النفى) لاستفهامٍ منفى، والذي يؤكد النفى فيه الجواب ب"نعم". فإن قلتُ لك: أليس زيدٌ راضٍ؟ إن قلتَ: بلى، فهو راضٍ. وإن قلتَ: نعم، فهو ليس براضٍ.
(1) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 177) وحاشيته الانتصاف لابن المنير.
(2) تفسير المنار (1/ 350)