قلتُ-متأمله: ونلحظ ههنا ملحظين: أولهما هذه الدعوة الصادقة إلى الحوار ومقارعة الحجة بالحجة التي تتبين في هذا الرقي القرآني في التعامل مع الخصم حتى ولو ما يقوله سفها وخبطا بغير حقٍ. فالحديث هنا بين {وقالوا} و {قل} . قال تعالى: {وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} .
ثم تجد قيمة العقل والمنطق والحجة والبرهان والدليل في الإسلام الذي يدفع أتباعه إلى فهم الحجة وإدراك الدليل وسل البرهان في كل مصاولة بين الحق والباطل. قال الزمخشري وصدق: وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين. وأنّ كل قولٍ لا دليلَ عليه فهو باطلٌ غيرُ ثابت. ا. ه
والتَّقْلِيدُ هُوَ قَبُولُ الشَّيْءِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. فإن كان له دليل فهو اتباع. فإن أخرجت له الدليل فهو اجتهاد.
يقول الشيخ الدهلوي رحمه الله:[وعَلى هَذَا وجدنَا محققي الْعلمَاء من كل مَذْهَب قَدِيما وحديثا. وَهُوَ الَّذِي وصّى بِهِ أَئِمَّة الْمذَاهب أَصْحَابهم. وَرُوى عَن أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول: لَا يَنْبَغِي لمن لم يعرف دليلي أَن يُفْتِي بكلامي.
وَكَانَ رَضِي الله عَنهُ إذا أفتى يَقُول: هَذَا رأى النُّعْمَان بن ثَابت يَعْنِي نَفسه، وَهُوَ أحسن مَا قَدرنَا عَلَيْهِ فَمن جَاءَ بِأَحْسَن مِنْهُ فَهُوَ أولى بِالصَّوَابِ.
وَكَانَ الامام مَالك رَضِي الله عَنهُ يَقُول: مَا من أحد الا وَهُوَ مَأْخُوذ من كَلَامه ومردود عَلَيْهِ إِلَّا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وروى الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول: إذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مذهبي وَفِي رِوَايَة إذا رَأَيْتُمْ كَلَامي يُخَالف الحَدِيث فاعملوا بِالْحَدِيثِ واضربوا بكلامي الْحَائِط.
وَقَالَ يَوْمًا للمزني: يَا أَبَا إِبْرَاهِيم لَا تقلدني فِي كل مَا أَقُول، وَانْظُر فِي ذَلِك لنَفسك، فإنه دين.
وَكَانَ رَضِي الله عَنهُ يَقُول: لَا حجَّة فِي قَول أحدٍ دون رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وإن كَثُرُوا، وَلَا فِي قِيَاس، وَلَا فِي شَيْء، وَمَا ثمَّ الا طَاعَة الله وَرَسُوله بِالتَّسْلِيمِ.
وَكَانَ الإِمَام أَحْمد رَضِي الله عَنهُ يَقُول: لَيْسَ لأحد مَعَ الله وَرَسُوله كَلَام.
وَقَالَ أَيْضا لرجلٍ: لَا تقلدني، وَلَا تقلدن مَالِكًا وَلَا الْأَوْزَاعِيّ وَلَا النَّخعِيّ وَلَا غَيرهم، وَخذ الْأَحْكَام من حَيْثُ أخذُوا؛ من الْكتاب وَالسّنة.]. [1]
(1) الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف للدهلوي (ص: 104)