فهرس الكتاب

الصفحة 492 من 604

ومن اللطائف البديعة في الآية أن حرف المعنى (مِنْ) جاء فيها ثلاث مراتٍ بثلاث معانٍ مختلفات يتذوق ذلك أهل المعاني وتدبر كلام الله تعالى:

الأولى: {الذين كفروا من أهل الكتاب} وتساءل العلامة الراغب فقال - ما ملخصه: فإن قيل: فلِم قال:"ولا المشركين"وذلك يقتضي أن المشركين ضربان، كافر، وغير كافر كما أن أهل الكتاب ضربان؟ قيل: إن"مِن"في قوله {من أهل الكتاب} للتبيين (أو لبيان الجنس) ، كما في قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} أي من أي جنس الأوثان كان، فإذا كان كذلك، فالمقصود جنس الكفر سواء كانوا أهل الكتاب أو المشركين.

الثانية في قوله تعالى: {من خير} ، وما زال أهل التحقيق والفهم العميق لبلاغة القرآن وبلاغة اللغة ينكرون الزيادة في القرآن [1] ، فلا يوجد حرفٌ إلا وله في القرآن معنىً عظيمٌ ربما لا تغني فيه كلمات كثيرة. وفي هذه الآية حرف الجر (من) في قوله تعالى: {من خيرٍ} يفيد معنى من التقليل والتبعيض والتوكيد لمعنى بغضهم المؤمنين في النفس ما لا يفيده النفى العادي مهما بلغ، فأهل الضلال لا يريدون (أدنى أو أقل) معنى للخير يكون للمؤمنين. قال ابن عطية: لأنهم يريدون ألَّا ينزل الله على المؤمنين من الخير قليل ولا كثير، ولو زال معنى التبعيض لساغ لقائل أن يقول: نريد أن لا ينزل خير كامل ولا نكره أن ينزل بعضه. فتأمل [2]

الثالثة: في قوله تعالى {من ربكم} ومعناه ابتداء الغاية أي مبدأه والمتفضل به هو ربكم سبحانه. وفيه نكتة بديعة من إضافة عز الربوبية إلى أمة محمد بلفظ المخاطبين {ربكم} وفيه تسلية من الله تعالى للمؤمنين بأنه معهم وناصرهم على الحاقدين الباغضين ويزيدهم من فضله سبحانه.

وصيغةُ الجمعِ في قوله تعالى: {عليكم} للإيذان بأن مدارَ كراهتهم ليس معنى خاصا بالنبى صلى الله عليه وسلم وإنما هو حسد عام للأمة المحمدية إلى يوم القيامة، وليس مختصا بزمن النبى وصحابته، فتأمل.

(1) وأطال النفس صاحب (البحر المحيط في التفسير) في توجيه زيادتها على مذاهب النحويين.

(2) تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/ 190)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت