فهرس الكتاب

الصفحة 491 من 604

وجاء النفى هنا ب {ما} التي تفيد نفى الحال، أي نفى حال كونهم متلبسين بالود أصلا، وذلك أبلغ في ثبات معناه هنا من النفى بحرف (لا) الذي يقيد الفعل المضارع في زمنه، فربما لا يودون الآن ولكنهم سيودُّون. والود: محبة الشئ مع تمنيه، واستعمل في كل واحدٍ منهما، فقيل: وددت فلانا إذا أحببته، وددت الشيء إذا تمنَّيْته.

والمعنى: ما يحب وما يريد أو يتمنى الكافرين - سواء كانوا أهل الكتاب أو المشركين - أىَّ خيرٍ للمسلمين يأتيهم من ربهم، وذلك أنهم يرون أنفسهم أحق بالوحى وبكل خيرٍ فيحسدون المسلمين، وكانوا يظهرون مودة المسلمين نفاقا، وهم هكذا في كل عصرٍ وكل مكانٍ يتغلب فيه الإسلام، فأكذبهم الله تعالى في ذلك، ونهى المؤمنين -في ضمن كلامه - عن موادتهم، كما قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ} .

وتأمل التعبير ب {يُنَزَّلَ} بتضعيف الزاى، ولم يقل (ينزل) بالتخفيف، إذ أنه أبلغ في نزولٍ متواصلٍ ومستمر لرحمات الله والخير منه للمؤمنين على مر الزمان.

{وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} . {يختص} أَيْ يُفْرِدُ بِهَا، وَضِدُّ الِاخْتِصَاصِ: الِاشْتِرَاكُ والعموم. فهو سبحانه يختار للرحمة والخير والعلم والقرب مَن يشاء، وهو الملك لا معقب لحكمه ولا يُسأَل عن حكمته، وهو الحكيم الخبير. والرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديما وحديثا، وقال قوم: الرحمة هي القرآن، وقال قوم: نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه أجزاء الرحمة العامة التي في لفظ الآية.

وختام الآية فيه تنبيهٌ لطيفٌ على رحمة الله سبحانه للعائدين التائبين من أي جانبٍ عادوا {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} فلما عظُم فضله، حقُر كلُّ ذنبٍ فعله التائب قبل توبته. وجاء ذكر الفضل هنا؛ الفضل هو ما يمَنُّ الله تعالى به على عباده بغير استحقاق، والعدل ما كان يستحقه العبيد، ولكن الكريم سبحانه نبَّه على فضله مع إعظام الجرم من المخلوقين؛ فتأمله. وتأمل في معناه قوله تعالى بعد ذكر جرائم الكفار في تعذيب وقتل المؤمنين شر قِتلة في سورة البروج: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا} ، فقيد نزول عذابه سبحانه بهم بعدم توبتهم مع عظيم جُرم ما اقترفوه. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ-رحمه الله: (انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْكَرَمِ وَالْجُودِ من الله سبحانه، قَتَلُوا أَوْلِيَاءَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت