فهرس الكتاب

الصفحة 494 من 604

ذكر كثيرٌ من المفسرون أنَّ المشركين قالوا: أتَرَون إِلَى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ، بِأَمْرٍ ثُمَّ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ وَيَأْمُرُهُمْ بِخِلَافِهِ وَيَقُولُ الْيَوْمَ قَوْلًا، ويرجع عَنْهُ غَدًا مَا هَذَا الْقُرْآنُ إِلَّا كَلَامَ مُحَمَّدٍ يَقُولُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَهُوَ كَلَامٌ يُنَاقِضُ بَعْضَهُ بَعْضًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} (النحل: 101) . الْآيَةَ: وَأَنْزَلَ أَيْضًا: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} الْآيَةَ. [1] وخصوصا بعد حادثة تغيير قبلة المسلمين من بيت المقدس إلى الكعبة شرفها الله وما أثارته من لغط عند أهل الشرك والنفاق يأتي تفصيله في الآيات بعد.

ولعل هذا الكلام يكون ألصق أصلا باليهود في المدينة أو بتلقينهم، إذ أنهم في غالبهم ينكرون النسخ في الشرائع، ويخلطونه ويلبِّسون عليه بالبداء.

والنسخ جائز على الله تعالى عقلا لأنه ليس يلزم عنه محال ولا تغيير صفة من صفاته تعالى، وليست الأوامر متعلقة بالإرادة فيلزم من النسخ أن الإرادة تغيرت، ولا النسخ لطروّ علمٍ في حق الله جل سبحانه، بل الله تعالى يعلم إلى أي وقت ينتهي أمره بالحكم الأول ويعلم نسخه بالثاني. والبَداء - الذي يلبس به اليهود-لا يجوز على الله تعالى لأنه لا يكون إلا لطروء علمٍ أو لتغير إرادة، وذلك محال في جهة الله تعالى، وجعلت اليهود النسخ والبَداء واحدا، ولذلك لم يجوِّزوه فضلّوا.

وربما تتصل هذه الآية بما قبلها بأن القرآن الذي ينفسه اليهود والنصارى على المسلمين وهو رحمة الله وفضله على المؤمنين جاء ناسخا ومهيمنا على الكتب قبله والشرائع قبله، فلا غرو ينسخ الله وينسأ، ويمحو ويثبت وهو الملك له معقب لحكمه.

وفي مثل معنى هذه الآية قوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 101، 102) .

(1) الواحدي في أسباب النزول ت الحميدان (ص: 34)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت