لقد وجَّه بعض المفسرين الحديث عن النسخ في هذه الآية بأنه نسخ الشرائع، ونسخ آية من التوراة بآية من القرآن، ونسخ معجزة رسول بمعجزة رسول آخر [1] ، متعللين بالاشتراك اللفظي في كلمة {آية} وهو توجيهه جائز، وإن كنت أرى فيه بعض تعسف. إذ أنه لا قرينة واضحة تصرف معنى الآية عن كونها الآية في كتاب الله المعهودة.
ولهؤلاء في ذلك بعض العذر إذ قد انفتح باب الحديث عن النسخ في القرآن حتى صار فيه من التطرف ما عاد بأسئلةٍ كثيرةٍ مشكلةٍ؛ خصوصا مع ورود رواياتِ آحادٍ لا يثبت أكثرها في نسخ سورٍ بأكملها أو أكثرها لا يوجد شيءٌ منها في المصحف الشريف، ورواياتٌ مثلُها عن آياتٍ تخالف في معناها وتركيبها ونسقها نسق القرآن ولغته. هذا وغيره من الإفراط في جانب النسخ حتى جعل بعضهم بعض الآية منسوخا وبعضها ناسخا، وحتى بالغ بعضهم فجاء بالنسخ في نواحي العقائد والأخبار وهو لا يجوز.
لقد جعل هذا بعض العلماء والباحثين - الذين لا نتهمهم في نظرهم؛ فحاشا أن نتهم دينهم-يعيد النظر في مسألة وقوع النسخ في القرآن الكريم، وإن كانت مثل هذه الآية التي بين أيدينا لا تمنع وقوعه، ولكنها في الواقع اقترنت بمعنى الشرط الذي يفيد (مجرد جواز وقوعه ولا يعني وقوعه بالفعل) .
(وعند البحث يتبين جواز وقوع النسخ جملةً، أما من حيث التفصيل فله بحث طويل الذيول) .
ولذلك فقد وقفت - بحول الله - باحثا ومحققا هذا الموضوع بشئ من التأمل بين طرفيْ نقيضين ما بين مثبتٍ متجاوزٍ، ونافٍ متعسف في كتابي (المحكم والمتشابه في كتاب الله سبحانه-دراسة تفصيلية) يسَّر الله خروجه بفضله.
ونقف هنا على بعض ما فيه من التفصيل.
يقول الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله - وقد كان فقيها أصوليا [2] :
(1) وعلى هذا المنوال جرى اختيار الشيخ محمد أبو زهرة في زهرة التفاسير (1/ 354) والشيخ عبد الكريم الخطيب في كتابه الذي سماه"التفسير القرآني للقرآن". وقريبا منه مستخفيا كلام العلامة القاسمي رحمة الله عليه في تفسير القاسمي = محاسن التأويل (1/ 370) .
(2) زهرة التفاسير (1/ 354)