و ننقل عن ابن القيم - رحمه الله تعالى- [1] يجمع تفسير المثلين الناري والمائي يقول:
(شبه نصيب المنافقين - مما بعث الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلّم- من النور والحياة بنصيب المستوقد النار التي طفئت عنه أحوج ما كان إليها، وذهب نوره. وبقي في الظلمات حائرا، تائها، لا يهتدي سبيلا، ولا يعرف طريقا، وبنصيب أصحاب الصيّب - وهو المطر؛ فشبّه الهدى- الذي هدى به عباده - بالصيّب، لأن القلوب تحيى به حياة الأرض بالمطر. ونصيب المنافقين من هذا الهدى، بنصيب من لم يحصل له نصيب من الصيّب إلّا ظلمات ورعد وبرق، ولا نصيب له - فيما وراء ذلك - مما هو المقصود بالصيّب - من حياة البلاد، والعباد، والشجر، والدوابّ، وأن تلك الظلمات التي فيه، وذلك الرعد، والبرق، مقصود لغيره، وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيّب. فالجاهل- لفرط جهله- يقتصر على الإحساس بما في الصيّب من ظلمة ورعد وبرق ولوازم ذلك من برد شديد، وتعطيل المسافر عن سفره، وصانع عن صنعته ولا بصيرة له تنفذ إلى ما يؤول إليه أمر ذلك الصيّب من الحياة والنفع العام.
وهكذا شأن كلّ قاصر النظر، ضعيف العقل، لا يجاوز نظره الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من كلّ محبوب .. وهذه حال أكثر الخلق، إلّا من صحت بصيرته- فإذا رأى ضعيف البصيرة ما في الجهاد من التعب، والمشاقّ، والتعرّض لإتلاف المهجة، والجراحات الشديدة، وملامة اللوّام، ومعاداة من يخاف معاداته- لم يقدم عليه، لأنه لم يشهد ما يؤول إليه من العواقب الحميدة، والغايات التي إليها تسابق المتسابقون، وفيها تنافس المتنافسون.
وكذلك من عزم على سفر الحج إلى البيت الحرام، فلم يعلم- من سفره ذلك- إلا مشقّة السفر، ومفارقة الأهل والوطن، ومقاساة الشدائد، وفراق المألوفات، ولا يجاوز نظره وبصيرته آخر هذا السفر، ومآله، وعاقبته- فإنه لا يخرج إليه، ولا يعزم عليه.
وحال هؤلاء، حال الضعيف البصيرة والإيمان، الذي يرى ما في القرآن من الوعد والوعيد، والزواجر والنواهي، والأوامر الشاقة على النفوس التي تفطمها عن رضاعها من ثدي المألوفات والشهوات- والفطام على الصبيّ أصعب شيء، وأشقّه- والناس كلهم صبيان العقول، إلا من بلغ مبالغ الرجال العقلاء الألباء، وأدرك الحقّ علما، وعملا، ومعرفةً، فهو الذي ينظر إلى ما وراء الصيّب، وما فيه- من الرعد والبرق والصواعق- ويعلم أنّه حياة الوجود.) ا. ه.
والنفس كالطفل إن لم تتركه شبَّ على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ.
(1) في (اجتماع الجيوش الإسلامية ج 2 ص 68 مطابع الفرزدق بالرياض)