إلى الكفر الغليظ .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، ثُمَّ كَفَرُوا، ثُمَّ آمَنُوا، ثُمَّ كَفَرُوا، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا» (137: النساء) . فالمنافقون هم كفار، وأكثر من كفار .. كفار ومنافقون معا!.
هذا هو حظهم من كتاب اللّه، وذلك مبلغ ما ينالهم من هذا الخير العظيم .. اضطراب، وذعر، وهمّ مقيم .. حذر الخزي والفضيحة! وذلك شأنهم تماما مع الغيث .. الناس، والحيوان، والنبات، وحتى الجماد .. يحيون بهذا الغيث، ويترقبون في شوق ولهف مواقيت نزوله، دون أن يتأدّى إليهم خوف أو قلق، مما يصحبه من ظلام ورعود! لأنهم يعلمون ما وراء هذه الرعود والبروق من رى وحياة!! أما المنافقون، فشأنهم مع هذا الغيث كشأنهم مع كل خير .. يلتوون به، ويستقبلونه بنفوسهم المريضة، فلا يصيبهم منه إلا الشرّ، الذي يكمن في كل خير تستقبله النفوس المريضة، وفى كل نعمة تقع في يد السفهاء من الناس! ....
هؤلاء وإن ذهب اللّه بالنور الذي دخل عليهم من القرآن، حين خادعوا اللّه ورسوله ـ فإنهم لا يزالون على صلة بالإسلام والمسلمين، لم يتحولوا إلى الكفر تحولا صريحا، ولهذا فإن لمعات من ضوء الإسلام تطلع عليهم بين الحين والحين فتمسك بهم على طريق الإسلام وفى جماعة المسلمين، ثم تهجم عليهم ضلالاتهم، فتعمّى عليهم السبل، وتتقطع بينهم وبين الإسلام المسالك، فإذا هم في حيرةٍ واضطراب .. وهكذا تترد أحوالهم بين الإيمان والكفر، إلى أن يموتوا على هذا النفاق .. «يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ، وَ إِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا» .. (استئنافٌ آخر وقع جوابا عن سؤال مقدّر- كأنه قيل: فكيف حالهم مع ذلك البرق؟ فقيل:"يكاد يخطف أبصارهم"، أي: يأخذها بسرعة .."كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ"أي: في ضوئه"وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا"أي: وقفوا، وثبتوا في مكانهم ... وهذا تمثيل لشدّة الأمر على المنافقين، وما هم فيه من غاية التحيّر والجهل .."وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ"أى: ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها .."إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"تعليل للجملة قبلها، وتقرير لمضمونها الناطق بقدرته تعالى على إزالة مشاعرهم وحواسهم بالفعل والتي فقدت قدرتها عندهم على الدلالة والهداية.) [1] ا. ه.
(1) راجع (التفسير القرآني للقرآن، الدكتور عبد الكريم الخطيب ج 1، ص 39،40) و (محاسن التأويل ج 1 ص 259،260) .