فائدة: قال القاشانيّ [1] : «إنّما بولغ في ذكر فريق المنافقين، وذمّهم، وتعييرهم، وتقبيح صورة حالهم، وتهديدهم، وإيعادهم، وتهجين سيرهم وعاداتهم: لإمكان قبولهم للهداية، وزوال مرضهم العارض. عسى التقريع يكسر أعواد شكائمهم، والتوبيخ يقلع أصول رذائلهم، فتتزكّى بواطنهم، وتتنوّر قلوبهم، فيسلكوا طريق الحقّ. ولعلّ موادعة المؤمنين، وملاطفتهم إيّاهم، ومجالستهم معهم- تستميل طباعهم، فتهيج فيهم محبّة ما، وشوقا تلين به قلوبهم إلى ذكر لله، وتنقاد به نفوسهم لأمر الله، فيتوبوا ويصلحوا، كما قال تعالى:"إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا" [النساء: 145 - 146] .ا. ه.
التفسير: و"الصيّب"هو المطر. وقد شبّه به هدى السماء، الذي تلقاه الرسول من ربّه، ليحيى به موات القلوب، كما يحيى المطر جديب الأرض.
وفى القرآن وعد ووعيد، وتكاليف وأعباء، كالعبادات، والجهاد في سبيل اللّه، ومجاهدة النفس في اجتناب المحرمات .. ثم هو مع هذا رحمة وشفاء!
وفى الغيث الذي ينزل من السماء ظلمات من السحب المتراكمة، ورعد وبرق .. ثم هو مع هذا نعمة وحياة! كذلك كانت آيات القرآن حين تتنزل، تنخلع لها قلوب المنافقين، وتنفطر منها أفئدتهم، لما يتوقعون فيها من صواعق تدمدم عليهم، وتفضح مكنون صدورهم، بما يبيتون ما لا يرضى من القول، وما لا يحمد من العمل .. ("فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ"التنوين في الكلّ للتفخيم والتهويل- كأنّه قيل: فيه ظلمات داجية، ورعد قاصف، وبرق خاطف) ..
فإذا تلقى الرسول وحيا من ربّه، وأعلنه في أصحابه، اصطكت به أسماع المنافقين، ووجفت قلوبهم هلعا وفزعا! ("يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حذر الموت وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ"علما وقدرة فلا يفوتونه ... والجملة اعتراضية منبّهة على أنّ ما صنعوا - من سدّ الآذان بالأصابع- لا يغني عنهم شيئا، فإنّ القدر لا يدافعه الحذر، والحيل لا تردّ بأس الله عزّ وجلّ. وفائدة وضع الكافرين موضع الضمير- الراجع إلى أصحاب الصيّب(فلم يقال: والله محيط بهم) - الإيذان بأنّ ما وقع بهم- من الأمور الهائلة المحكيّة- بسبب كفرهم، فيظهر استحقاقهم ما يجريه الله عليهم من الخوف والهلاك) .. وفى قوله تعالى: «وَ اللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ» إشارة إلى دورة من دورات المنافقين، حيث انتهى بهم ترددهم بين الإيمان والكفر،
(1) (نقلا عن محاسن التأويل ج 1 ص 264) .