ولكن في الحقيقة فإن السور الطوال ومع تعدد مواضيعها وتنقل فنونها وأساليبها وخطاباتها تجدها عند التأمل الدقيق والتدبر العميق مشدودة إلى روح واحدة ووحدة متماسكة تربط أجزائها ومواضيعها بكل جمال وروعة ..
ولا ينكر ذلك إلا سطحي لم يخالج تدبر القرآن شغاف روحه وعقله أو مغرض يريد أن يشكك في كلام الله أو يوهن من مدى مصداقيته وإعجازه في النفوس ...
كما أن التنقل في أسلوب القرآن من معنى إلى معنى له مغزى بلاغي هو نقل القارئ من شعور إلى شعور , و من تفكير إلى تفكير وفى ذلك متعة للعقل و الوجدان معا, متعة ينشدها القارئ الفاهم و يتأثر بها و لكن هل هذا التنقل يخل بالوحدة العضوية في السورة؟ كلا: إن القرآن وحدة متكاملة متكافلة في التعبير و التفسير ..
إن فكرة التناسب القرآني قديمة قدم القرآن نفسه، ولطالما لفت النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى التعامل مع القرآن الكريم باعتباره وحدة واحدة، وتنبه الصحابة ومَن بعدهم إلى أهمية السياق في التوصل إلى الفهم الصحيح للنص القرآني؛ والمعاني الإضافية التي يفيدها ترتيب آي القرآن وسوره، وانطلقوا في تفسيراتهم وتأويلاتهم منها، ولعل ضعف السليقة العربية في العصور التالية من جهة، وتركيز الكثيرين على التفصيلات والتفريعات النحوية والفقهية وغيرهما، مما أدى إلى غياب النظرة الكلية لآيات القرآن الكريم وسوره.
وإن في تفسير الطبري كثيرًا من الوقفات في الربط بين أجزاء السورة من خلال أدوات الربط وعلى رأسها حروف العطف، أو من خلال ما أسماه الكلام المحذوف الذي ترك لظهوره، وإن لم يستخدم مصطلح التناسب أو مرادفاته.
والواقع أن الفخر الرازي في تفسيره (الكبير= مفاتح الغيب) هو أبرز من فتح الباب واسعًا لفهم النظم القرآني، ولم يقارب جهوده أحد حتى جاء البقاعي (المتوفى: 885 هـ) واستوعب ما قيل قبله، وكان عمله في كتابه نظم الدرر هو الأوسع والأشمل؛ حيث تحدث عن النظم بدءًا من أجزاء الآية الواحدة وصولًا إلى الحديث عن التناسب في القرآن الكريم جميعه بوصفه كتابًا واحدًا، مرورًا بالتناسب بين الآيات ثم التناسب بين أجزاء السورة، فالتناسب بين السور. [1]
جاء في كتاب الاتقان للسيوطي:
(1) راجع (التناسب في سورة البقرة) - رسالة ماجستير- للباحث طارق مصطفى محمد حميدة - جامعة القدس/فلسطين.