الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك. لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلّا بك».
بعد ذلك فتح الله على الرسول - صلى الله عليه وسلم- وعلى الدعوة من حيث لا يحتسب، فكانت بيعة العقبة الأولى، ثم بيعة العقبة الثانية ..
وأخذ المسلمون في مكة يهاجرون إلى المدينة تباعا، تاركين وراءهم كل شيء، ناجين بعقيدتهم وحدها، حيث لقوا من إخوانهم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم، من الإيثار والإخاء ما لم تعرف له الإنسانية نظيرا قط. ثم هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وصاحبه الصديق. هاجر إلى القاعدة الحرة القوية الآمنة التي بحث عنها من قبل طويلا .. وقامت الدولة الإسلامية في هذه القاعدة منذ اليوم الأول لهجرة الرسول- صلى الله عليه وسلم.
من أولئك السابقين من المهاجرين والأنصار تكونت طبقة ممتازة من المسلمين نوه القرآن بها في مواضع كثيرة. وهنا نجد السورة تفتتح بتقرير مقوّمات الإيمان، وهي تمثل صفة المؤمنين الصادقين إطلاقا. ولكنها أولا تصف ذلك الفريق من المسلمين الذي كان قائما بالمدينة حينذاك: «ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ، هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ، وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.» الآيات ..
ثم نجد بعدها مباشرة في السياق وصفا للكفار وهو يمثل مقومات الكفر على الإطلاق. ولكنه أولا وصف مباشر للكفار الذين كانت الدعوة تواجههم حينذاك، سواء في مكة أو فيما حول المدينة ذاتها من طوائف الكفار: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.» ..
ذلك كانت هناك طائفة المنافقين. ووجود هذه الطائفة نشأ مباشرة من الأوضاع التي أنشأتها الهجرة النبوية إلى المدينة في ظروفها التي تمت فيها، والتي أشرنا إليها من قبل ولم يكن لها وجود بمكة. فالإسلام في مكة لم تكن له دولة ولم تكن له قوة، بل لم تكن له عصبة يخشاها أهل مكة فينافقونها .. فأما في يثرب التي