فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 604

تمليه عليهم أهواؤهم، يتبجحون بالباطل حتى لكأنهم يملكون سلطان على الله أو عهدًا بحمايتهم في جرائمهم، ووقايتهم من عقوبة فسادهم وإفسادهم، وحاشاه سبحانه وتعالى عن كذبهم. قالوا: نحن أبناء الله وأحبّاؤه. فكان قول الحق لهم: «فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ؟ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ» (18: المائدة)

«وَقالُوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً» والتقديرُ: لَنْ تَمَسَّنا النارُ أبدًا إلا أيامًا قلائلَ يَحْصُرُها العَدُّ، لأن العَدَّ يَحْصُر القليلَ. قال الراغب: ووجه ذلك أنه لما كان المعدود على ضربين، ضربًا قليلًا يسهل عده (وإحصاؤه) ، وكثيرًا لا يسهل عده، وكانت الأعراب يقل فيهم الحساب وقوانين الحساب، تصوروا الكثير متعذر العد، والقليل متيسر العد، وقالوا: شي معدود أي قليل، ومحصور أي كثير.

ووجه الآية أن اليهود اختلفت، فبعض قال نُعّذَّب بعدد الأيام التي عبد أصحابنا فيها العجل، وبعض قال: مدة الدنيا سبعة ألاف سنة؛ وإنما نُعّذَّب مكان كل ألف

سنة من الدنيا يوما من الآخرة، وبعضه قال: إنما بين طرفي جهنم أربعون سنة، وإذا خلًا العدد انقضى الأجل ولا عذاب. [1]

وهذا القول من اليهود ليس بلسان المذنبين منهم فقط، ليهوّنوا على أنفسهم اقتراف المنكر، واستساغة تعاطيه وإدمانه، وإنما هو على لسان الشريعة التي افتروها على الله، وخصّوا بها أنفسهم .. إنهم إذ كانوا يهودا- لهم حكمٌ خاص، فلا تنالهم النار إلا مسّا، ولأيام معدودة (؟!) .. هذا هو حكم العصاة والمجرمين والملحدين منهم، الذين غرقوا إلى أذقانهم في الإثم والضلال!! وبهذا التفكير الآثم، الذي أدخلوه مدخل الشريعة. استطاعوا أن يترضّوا أهواءهم، وأن يشبعوا أطماعهم، وأن يركبوا كل منكر، ويأتوا كل قبيح، في جانب الله، وفي حق الناس!

(1) تفسير الراغب الأصفهاني (1/ 242) بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت