والخطاب لهم توبيخا، وهو لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمؤمنين تسليةً تثبيتًا أن هذه شيمة القوم وطبعهم في الكيل بمكيالين على حسب المنفعة الخسيسة ووفقها.
فقوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} وَلَمَّا جاءَهُمْ يعني اليهود كِتابٌ يعني القرآن {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} وَتَصْدِيقُهُ لِمَا مَعَهُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ أَنَّهُ يُخْبِرُهُمْ بِمَا فِيهِمَا وَيُصَدِّقُهُ وَلَا يُخَالِفُهُ. وقصد به زيادة المذمة في هذا الكفر بكتاب الله الذي يوافق أصول ما عندهم، وهم يعلمون، ومثله عند قوله تعالى: {وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم} (البقرة: 41) .
جاء في تفسير المنار: والاستفتاح في قوله: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) معناه طلب الفتح وهو الفصل في الشيء والحكم، ويستعمل بمعنى النصر؛ لأنه فصل بين المتحاربين، وكانت اليهود تستفتح على مشركي العرب بالنبي المنتظر، يقولون: إنه سيظهر فينصر كتابه التوحيد الذي نحن عليه، ويخذل الوثنية التي تنتحلونها ويبطلها، فيكون مؤيدا لدين موسى.
أقول: روى محمد بن إسحاق عن أشياخ من الأنصار أن هذا نزل فيهم وفي يهود المدينة، قالوا: كنا قد علوناهم قهرا دهرا في الجاهلية ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب، وهم يقولون: إن نبيا سيبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه، نقتلكم معه قتل عاد وإرم ... إلخ. وروى الضحاك عن ابن عباس في تفسير (يستفتحون) : يستنصرون، يقولون: نحن نعين محمدا عليهم ... إلخ. وتتمته في تفسير العماد ابن كثير.
وشذ بعضهم كالبغوي في تفسيره فقال: إنهم كانوا يقولون إذا حزبهم أمر أو دهمهم عدو: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة والإنجيل، فكانوا يُنصرون، وفيه روايات ضعيفة عن ابن عباس، لم يعرِّج ابن كثير على شيء منها، ولعله تركها لأنها على ضعف روايتها ومخالفتها للروايات المعقولة شاذة المعنى - بجعل الاستفتاح دعاء بشخص النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي بعض الروايات '' بحقه '' وهذا غير مشروع، ولا حق لأحد على الله فيُدعَى به، كما قال الإمام أبو