ثم قال تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا} (الأنفال/ 23) ، أي: أفهمهم بأن جعل لهم قوّة يفهمون بها، وقوله: {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} (النساء/ 46) ، يقال على وجهين:
أحدهما: دعاء على الإنسان بالصّمم.
والثاني: نفي توجه السباب له.
فالأوّل نحو: أَسْمَعَكَ الله، أي: جعلك الله أصمّ بهمزة الإزالة دخلت على فعل (سمع) . والثاني نحو: أن يقال: أَسْمَعْتُ فلانا: إذا سببته، وذلك متعارف في السّبّ، وروي أنّ أهل الكتاب كانوا يقولون ذلك للنبيّ صلّى الله عليه وسلم يوهمون أنهم يعظّمونه، ويدعون له وهم يدعون عليه بذلك.
وكلّ موضع أثبت الله السّمع للمؤمنين، أو نفي عن الكافرين، أو حثّ على تحرّيه فالقصد به إلى تصوّر المعنى والتّفكر فيه، نحو قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها} (الأعراف/ 195) ، ونحو: {صُمٌّ بُكْمٌ} (البقرة/ 18) أي لا يفهمون الخير ولا يقبلونه ولا يعملون به ولا يقولون، ونحوه: {فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ} (فصلت/ 44) .
وقوله تعالى: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ} (النمل/ 80) ، أي: لا تفهمهم، لكونهم كالموتى في افتقادهم بسوء فعلهم القوّة العاقلة التي هي الحياة المختصّة بالإنسانيّة والتي بها يميزون بين ما ينفعهم وما يهلكهم، فهم موتى الأرواح والقلوب والضمائر.
وقوله تعالى في صفة الكفّار: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا} (مريم/ 38) ، معناه: ما أسمعهم وما أبصرهم ذلك أنهم يسمعون ويبصرون في ذلك اليوم ما خفي عليهم، وضلّوا عنه اليوم لظلمهم أنفسهم، وتركهم النّظر. انتهى [1]
(1) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (ص: 425 - 427) بترف يسير.