وأما قوله تعالى: أبدا فهو غيب آخر لأنه أخبر أن ذلك لا يوجد ولا في شيء من الأزمنة الآتية في المستقبل ولا شك أن الإخبار عن عدمه بالنسبة إلى عموم الأوقات فهما غيبان يدلان على مدى التحدي القرآني بكسر حجب المستقبل، وهو من أعظم إعجاز القرآن العظيم.
وأما قوله تعالى: بما قدمت أيديهم فبيان للعلة التي لها لا يتمنون [الموت] لأنهم إذا علموا سوء طريقتهم وكثرة ذنوبهم دعاهم ذلك إلى أن لا يتمنوا الموت.
وأما قوله تعالى: والله عليم بالظالمين فهو كالزجر والتهديد لأنه إذا كان عالما بالسر والنجوى ولم يمكن إخفاء شيء عنه صار تصور المكلف لذلك من أعظم الصوارف عن المعاصي، وإنما ذكر الظالمين لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافرا فلما كان ذلك أعم كان أولى بالذكر فإن قيل: إنه تعالى قال هاهنا: ولن يتمنوه أبدا وقال في سورة الجمعة: ولا يتمنونه أبدا فلم ذكر هاهنا (لن) وفي سورة الجمعة «لا» قلنا: إنهم في هذه السورة، ادعوا أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس وادعوا في سورة الجمعة أنهم أولياء لله من دون الناس والله تعالى أبطل هذين الأمرين بأنه لو كان كذلك لوجب أن يتمنوا الموت والدعوى الأولى أعظم من الثانية إذ السعادة القصوى هي الحصول في دار الثواب، وأما مرتبة الولاية فهي وإن كانت شريفة إلا أنها إنما تراد ليتوسل بها إلى الجنة فلما كانت الدعوة الأولى أعظم لا جرم بين تعالى فساد قولهم بلفظ: «لن» لأنه أقوى الألفاظ النافية ولما كانت الدعوى الثانية ليست في غاية العظمة لا جرم اكتفي في إبطالها بلفظ «لا» لأنه ليس في نهاية القوة في إفادة معنى النفي والله أعلم. [1]
(1) تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (3/ 606)