فهرس الكتاب

الصفحة 435 من 604

عمره وحسن عمله). وجاء في الصحيح النهي عن تمني الموت، وفي بعض ألفاظه: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فلعله أن يزداد، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب) . ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا: فها أنتم تعتقدون -أيها المسلمون-أنكم أصحاب الجنة، وأنتم لا تتمنون في حال الصحة الموت؛ فكيف تلزمونا بما لا نلزمكم؟

وهذا كله إنما نشأ من تفسير الآية على هذا المعنى، فأما على تفسير ابن عباس فلا يلزم عليه شيء من ذلك، بل قيل لهم كلام نصف: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء الله من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم من أهل الجنة ومن عداكم من أهل النار، فباهلوا على ذلك وادعوا على الكاذبين منكم أو من غيركم، واعلموا أن المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة. فلما تيقنوا ذلك وعرفوا صدقه نكلوا عن المباهلة لما يعلمون من كذبهم وافترائهم وكتمانهم الحق من صفة الرسول صلى الله عليه وسلم ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ويتحققونه. فعلم كل أحد باطلهم، وخزيهم، وضلالهم وعنادهم -عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.

وسميت هذه المباهلة تمنيا؛ لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر له ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له فيها بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت. انتهى.

أختار ما قاله الزمخشري والرازي وغيرهما وهو ما اختاره العلامة ابن العثيمين في تفسيره. وتوجيه معنى: {تمنوا الموت} عن طريق المباهلة؛ والذي رجحه ابن كثير رحمه الله؛ وضعف الأول بأنه لو كان المراد: تمنوا حصول الموت لكانوا يحتجون أيضًا علينا نحن، ويقولون: أنتم أيضًا إن كنتم تقولون: إن الدار الآخرة لكم فتمنوا الموت؛ لأن تحديكم إيانا بذلك ليس بأولى من تحدينا إياكم به؛ لأنكم أنتم أيضًا تقولون: إن الدار الآخرة لكم، وأن اليهود بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم في النار؛ فتمنوا الموت أنتم أيضًا، والجواب عن ذلك أنا لم ندع أن الدار الآخرة خالصةً لنا من دون الناس؛ بل نؤمن بأن الدار الآخرة لكل من آمن وعمل صالحًا سواء كان من هذه الأمة أم من غيرها؛ وهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت