وَقِسْمٌ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى عَدَمِ مَنْعِهِ، وَأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ لَا تُسَدُّ وَوَسِيلَةٌ لَا تُحْسَمُ: كَالْمَنْعِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ خَشْيَةَ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ.
وَقِسْمٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُسَدُّ أَمْ لَا؟ كَبُيُوعِ الْآجَالِ عِنْدَنَا كَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِخَمْسَةٍ قَبْلَ الشَّهْرِ، فَمَالِكٌ يَقُولُ: إنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ يَدِهِ خَمْسَةً الْآنَ وَأَخَذَ عَشْرَةً آخِرَ الشَّهْرِ فَهَذِهِ وَسِيلَةٌ لِسَلَفِ خَمْسَةٍ بِعَشْرَةٍ إلَى أَجَلٍ تَوَسُّلًا بِإِظْهَارِ صُورَةِ الْبَيْعِ لِذَلِكَ. وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ يُنْظَرُ إلَى صُورَةِ الْبَيْعِ وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْبُيُوعُ يُقَالُ إنَّهَا تَصِلُ إلَى أَلْفِ مَسْأَلَةٍ اخْتَصَّ بِهَا مَالِكٌ وَخَالَفَهُ فِيهَا الشَّافِعِيُّ. انتهى [1]
وفي الحقيقة إن الدين في أرقى معانيه مبنى على معنى المراقبة من العبد لله تعالى فيما يأتي وما يذر لأن اليقين بالحساب في الآخرة يوجب على المؤمن التوقف قبل القول أو الفعل وحسابه في ميزان الحسنات او السيئات {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (ق: 18) . وعن عطية بن عروة السعدي الصحابي رضي الله عنهـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس". رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
وأحسن منه ما روى مسلم عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه الحديث، فمنع من الإقدام على الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات، وذلك سدا للذريعة.
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن من الكبائر شتم الرجل والديه) قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: (نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه) . فجعل التعرض لسب الآباء كسب الآباء.
ثم في الآية كذلك الأدب الرباني الذي ربى الله تعالى به الأمة المؤمنة على توقير النبي صلى الله عليه وسلم، وتبجيله وحفظ مكانته التي حفظها الله تعالى وهو سيد الخلق. ومن حفظه وتوقيره بعد موته لى الله عليه وسلم
(1) الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق (2/ 32)