فهرس الكتاب

الصفحة 553 من 604

{أو من تحت أرجلكم} (الأنعام: 65) . قال: «أعوذ بوجهك» . {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} (الأنعام: 659) . قال «هاتان أهون وأيسر» . رواه البخاري في الصحيح. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب: آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن". رواه البخاري ومسلم في الصحيح. قال البيهقي: قوله: «رداء الكبرياء» . يريد به صفة الكبرياء. فهو بكبريائه وعظمته لا يريد أن يراه أحد من خلقه بعد رؤية يوم القيامة، حتى يأذن لهم بدخول جنة عدن، فإذا دخلوها أراد أن يروه فيروه وهم في جنة عدن، والله أعلم .... إلى غير ذلك من الأحاديث راجع فيها الإمام البيهقي في الأسماء والصفات. [1]

هذه القاعدة فيما ورد من أسماء الله وصفاته العلى على العموم. أما الآية التي نحن بصددها فليست بموضعها وسياقها من آيات الصفات في شيء. و {وَجْهُ اللَّهِ} في هذه الآية: معناه: قبلته التي رضيها لنا سبحانه ووجَّهنا إليها، كما تقولُ: سافَرْتُ في وجه كذا، أي: في جهة كذا. ويتجه في بعض المواضِعِ من القرآن كهذه الآية أن يراد بالوجْهِ الجِهَةُ الَّتي فيها رضَاهُ، وعلَيْها ثوابُه كما تقول تصدَّقت لوجْهِ اللَّهِ، ويتَّجه في هذه الآية خاصَّةً أن يراد بالوجه الجهةُ الَّتي وجهنا إليها في القبلة. وهذه النكتة واللطيفة في الآية، فتأمل.

وأنقل عن شيخ الإسلام ههنا بحثا بديعا يقول فيه: [فَتَدَبَّرْ هَذَا فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَغْلَطُ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. إذَا تَنَازَعَ الْنُّفَاةِ وَالْمُثْبِتَةُ فِي صِفَةٍ، وَدَلَالَةٍ نُصَّ عَلَيْهَا؛ يُرِيدُ الْمُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ اللَّفْظَ -حَيْثُ وَرَدَ -دَالًّا عَلَى الصِّفَةِ وَظَاهِرًا فِيهَا.

ثُمَّ يَقُولُ النَّافِي: وَهُنَاكَ لَمْ تَدُلَّ عَلَى الصِّفَةِ فَلَا تَدُلُّ هُنَا. وَقَدْ يَقُولُ بَعْضُ الْمُثْبِتَةِ: دَلَّتْ هُنَا عَلَى الصِّفَةِ فَتَكُونُ دَالَّةً هُنَاكَ؛ بَلْ لَمَّا رَأَوْا بَعْضَ النُّصُوصِ تَدُلُّ عَلَى الصِّفَةِ جَعَلُوا كُلَّ آيَةٍ فِيهَا مَا يَتَوَهَّمُونَ أَنَّهُ يُضَافُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى -إضَافَةَ صِفَةٍ -مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يا حسرتا على ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} . (قلتُ: يقصد هنا أن هذه الآية ليست من آيات الصفات، وقرينة السياق والحال تدل على أن معنى جنب الله أي حقه وأمره) .

وَهَذَا يَقَعُ فِيهِ طَوَائِفُ مِنْ الْمُثْبِتَةِ والْنُّفَاةِ وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الْغَلَطِ فَإِنَّ الدَّلَالَةَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِحَسَبِ سِيَاقِهِ. وَمَا يُحَفُّ بِهِ مِنْ الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ وَالْحَالِيَّةِ.

وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي أَمْرِ الْمَخْلُوقِينَ يُرَادُ بِأَلْفَاظِ الصِّفَاتِ مِنْهُمْ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ غَيْرُ الصِّفَاتِ.

(1) الأسماء والصفات للبيهقي (2/ 81)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت