فهرس الكتاب

الصفحة 556 من 604

الأخرى من تصورهم لشأن الله-سبحانه-يبادر بتنزيه الله عن هذا التصور، وبيان حقيقة الصلة بينه وبين خلقه جميعًا.). [1]

فمَعْنًى {سُبْحَانَه} : بَرَاءَةُ اللَّهِ وتنزهه عن كل سُّوءٍ ونقص. وروي عن ابن عباس - واللفظ له:"أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قَال اللهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. أَمّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَيَزْعُمُ أَنِّي لاَ أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ (وفي رواية أبي هريرة زاد: وليس أول الخلق بأهون على من إعادته) . وَأَمّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ (وفي رواية: وأما شتمه إياى فقوله: {اتخذ الله ولدا} (البقرة: 611) ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا". وفي رواية:"وأنا الأحد الصمد؛ لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفئا أحد". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

فلما ادعوا - كاذبين لله الولد-رد عليهم بحجته الباهرة في ثلاث جملٍ متصلاتٍ موجزاتٍ. وبيان الأولى أن غرض الولد للإنسان إنما هو في بقاء نوعه وعدم انقراض أثره، ولما كان الله تعالى هو الباقي الدائم بلا ابتداء ولا انتهاء، لم يكن لاتخاذه الولد لنفسه معنى، فقال {سبحانه} أي هو منزه عن السبب المقتضي للولد. ثم لما كان اتخاذ الولد للبشر ليسدَّ نقصًا وعوزا وضعفًا، بيَّن تعالى أن {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فليس بمحتاجٍ عن فقرٍ سبحانه، وله الغنى من كل وجه. ثم زاد الحجة بقوله: {كل له قانتون} ففائدة الولد مظاهرة الوالد ومعاونته ومطاوعته، فبيَّن سبحانه أن كل ما في السماوات والأرض مع كونه مِلكا له فهم أيضًا في طوعه قانتين راضين كانوا، أو كارهين، أو مسخَّرين، كقوله: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} ، وقوله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} ، وهذا أبلغ الحجة في ثلاث جملٍ بليغةٍ موجزة تنقضي فيها المجلدات الكبار. (أفاده الراغب) ...

فتأمل طريقة القرآن الرائعة في تقرير مسائل العقيدة.

وقوله تعالى:"كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ"ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، وَالتَّقْدِيرُ كُلُّهُمْ، أو كل الخلق سواه، ثُمَّ حُذِفَ المضاف إليه (الْهَاءُ وَالْمِيمُ أو الخلق) وعُوِّض عنه بالتنوين.

(فأما القنوت فقال الزجاج: هو في اللغة بمعنيين:

أحدهما: القيام. والثاني: الطاعة. [2] فالقانت: القائم بأمر الله. ويجوز أن يقع في جميع الطاعات، لأنه إن لم يكن قيام على الرجلين، فهو قيام بالنية. وقال ابن قتيبة: لا أرى أصل القنوت إلا الطاعة، لأن جميع ما في

(1) في ظلال القرآن (1/ 105)

(2) قال صاحب مقاييس اللغة (5/ 31) : (قَنَتَ) الْقَافُ وَالنُّونُ وَالتَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى طَاعَةٍ وَخَيْرٍ فِي دِينٍ، لَا يَعْدُو هَذَا الْبَابَ. وَالْأَصْلُ فِيهِ الطَّاعَةُ، يُقَالُ: قَنَتَ يَقْنُتُ قُنُوتًا. ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ اسْتِقَامَةٍ فِي طَرِيقِ الدِّينِ قُنُوتًا، وَقِيلَ لِطُولِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ قُنُوتٌ، وَسُمِّيَ السُّكُوتُ فِي الصَّلَاةِ وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهَا قُنُوتًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت