جاءت الآيات في استئناف الخطاب المتصل لبني إسرائيل وبيان انحرافاتهم؛ والخطاب في باب التذكير والعظة ومن وجهٍ آخر هو أيضا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم يتصل وثيقا بما قبله فبعد أن بيَّنت الآيات بما مجال للين فيه أن طريق الحق مغاير تماما لتيه أهوائهم بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} أي هو الهدى الحقيقي وما سواه ضلال، شرعت الآيات تقيم هذا الطريق على ما جاء من العلم في كتب الله التي تعاضدت على تثبيت توحيده وطاعته والإيمان به وبرسله. والإشارة العامة هنا إلى {الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ} أى واصطفيناهم من بين الأمم بإرسال الرسل وهم {يَتْلُونَهُ} أى الكتاب متأملين متدبرين لما يشتمل عليه من الأوامر والنواهي والمعارف والحقائق مراعين {حَقَّ تِلاوَتِهِ} بلا تحريفٍ ولا تبديل {أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} وبما فيه من الأحكام والآيات والأخبار {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ} بتحريفه وتبديله إلى ما تهوى أنفسهم {فَأُولئِكَ} المحرِّفون المغيِّرون كتابَ الله لمصلحة نفوسهم {هُمُ الْخاسِرُونَ} المقصورون على الخسران المؤبد والحرمان المخلد، وكأن الخسران لهم وحدهم.
قال الرازي: التلاوة لها معنيان. أحدهما: القراءة. والثاني: الإتباع فعلًا، لأن من اتبع غيره يقال تلاه فعلًا، قال الله تعالى: {والقمر إِذَا تلاها} (الشمس: 2) فالظاهر أنه يقع عليهما جميعًا، ويصح فيهما جميعًا المبالغة لأن التابع لغيره قد يستوفي حق الاتباع فلا يخل بشيء منه، وكذلك التالي يستوفي حق قراءته فلا يخل بما يلزم فيه، والذين تأولوه على القراءة هم الذين اختلفوا على وجوه.
فأولها: أنهم تدبروه فعملوا بموجبه حتى تمسكوا بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما.
وثانيها: أنهم خضعوا عند تلاوته، وخشعوا إذا قرأوا القرآن فِي صلاتهم وخلواتهم.
وثالثها: أنهم عملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه، وتوقفوا فيما أشكل عليهم منه وفوضوه إلى الله سبحانه. ورابعها: يقرأونه كما أنزل الله، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يتأولونه على غير الحق.
وخامسها: أن تحمل الآية على كل هذه الوجوه لأنها مشتركة فِي مفهوم واحد، وهو تعظيمها، والانقياد لها لفظًا ومعنى، فوجب حمل اللفظ على كل ذلك تكثيرًا لفوائد كلام الله تعالى والله أعلم. [1]
سؤال: فإن قيل لم جيء قولُه تعالى: {أولئك يؤمنون به} باسم الإشارة فِي تعريفهم دون الضمير وغيره؟
(1) {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 30}